اذن ، هذا التجميد ضمن اطار الواقع الذي تعيشه الجماعة ، أية جماعة بشرية ، ينشأ من حرص أولئك الذين تسلطوا على هذه الجماعة على أن يضمنوا وجودهم ، ويضمنوا الواقع الذي هم فيه وهم بناته . والقرآن الكريم يسمي هذا النوع من القوى التي تحاول ان تحول هذا الواقع المحدود إلى مطلق ، وتحصر الجماعة البشرية في أطار هذا المحدود ، يسمي هذا بالطاغوت . قال سبحانه وتعالى :
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
« 1 » .
لاحظوا ذكر صفة أساسية مميزة لمن اجتنب عبادة الطاغوت .
ما هي الصفة الأساسية المميزة التي ذكرها القرآن لمن اجتنب عبادة الطاغوت ؟
قال تعالى :
فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
« 1 » .
يعني لم يجعلوا هناك قيدا على أذهانهم ، أو اطارا محدودا لا يمكنهم ان يتجاوزوه ، بل جعلوا الحقيقة مدار همّهم ، ولهذا يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، فهم في حالة طموح ، وتطلّع وموضوعية ، في حالة تسمح لهم بان يجدوا الحقيقة . بينما لو كانوا يعبدون الطاغوت ، فسوف يكونون في اطار هذا الواقع الذي يريده الطاغوت ، ولن يستطيعوا أن يستمعوا إلى القول فيتبعون أحسنه ، وانما يتبعون فقط ما يراد لهم ان يتبعوه . هذا هو السبب الثاني لاتباع وتبني هذه المثل .
وخلاصة ما مرّ بنا حتى الآن : أن التاريخ يتحرك من خلال البناء الداخلي
هامش
( 1 ) سورة الزمر الآية / 17 - 18 .