فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
« 1 » .
فالأمانة هي الوجه التقبلي للخلافة ، والخلافة هي الوجه الفاعلي والعطائي للأمانة .
وهذه الأمانة التي تقبلها الانسان وتحمّلها لم تعرض على هذا الانسان في هذه الآية ، بوصفها تكليفا أو طلبا ، وليس المقصود من تقبل الانسان لهذه الأمانة هو تقبله الخلافة على مستوى الامتثال والطاعة ، بقرينة ان هذا كان معروضا على السماوات والأرض والجبال أيضا ، ومن الواضح انه لا معنى لتكليف السماوات والجبال والأرض . ومعنى ذلك أنه عرض تكويني لا عرض تشريعي ، أي أن هذه العطية الربانية كانت تفتش عن الموضع القابل لها في الطبيعة ، والمنسجم معها بطبيعته ، وبفطرته ، وبتركيبه التاريخي والكوني ، والانسان هو الكائن الوحيد الذي كان بحكم تركيبه وبنيته ، وبحكم فطرة اللّه المزكورة فيه منسجما دون غيره من الكائنات مع هذه العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة التي بها تصبح أمانة ، وخلافة . ومن هنا كان تقبله لها تقبلا تكوينيا بحكم دخولها في تكوينه الانساني وفي تركيب مساره التاريخي .
ونلاحظ في هذه الآية الكريمة ، الإشارة إلى هوية هذه السنة التاريخية وانها سنة من الشكل الثالث ، سنة تقبل التحدي وتقبل العصيان ، ليست من تلك السنن التي لا تقبل التحدي ابدا ولو لحظة ، قال تعالى :
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
هذه العبارة الأخيرة
إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
، تأكيد على طابع هذه السنة ، وان هذه السنة على الرغم من أنها سنة من سنن التاريخ ولكنها تقبل التحدي ، تقبل ان يقف الانسان منها موقفا سلبيا ، هذا التعبير يوازي تعبير :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
في الآية السابقة .
اذن ، الآية السابقة استخلصنا منها ان الدين سنة من سنن الحياة ومن
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : الآية / 72 .