من كلام أبي طاهر ذاك ما يظهر لنا منهج القراء في الاختيار والأساس الذي بنوا عليه اختياراتهم ، ومما قاله أبو طاهر بن أبي هاشم عن ابن مقسم « 1 » : « وقد دخلت عليه شبهة لا تخيل « 2 » بطولها وفسادها على ذي لب وفطنة صحيحة ، وذلك أنه قال : لما كان لخلف بن هشام وأبي عبيد وابن سعدان أن يختاروا ، وكان ذلك لهم مباحا غير منكر ، كان ذلك لي أيضا مباحا غير مستنكر ، فلو كان هذا حذا حذوهم فيما اختاروه ، وسلك طريقا كطريقهم ، كان ذلك مباحا له ولغيره غير مستنكر ، وذلك أن خلفا ترك حروفا من حروف حمزة واختار أن يقرأ على مذهب نافع ، وأما أبو عبيد وابن سعدان فلم يتجاوز واحد منهما قراءة أئمة القراء بالأمصار ، ولو كان هذا الغافل نحا نحوهم كان مسوغا لذلك غير ممنوع منه ، ولا معيب عليه ، بل إنما كان النكير عليه شذوذه عما عليه الأئمة الذين هم الحجة فيما جاءوا به مجتمعين ومختلفين » .
ويبدو أن إنكار ما ذهب إليه ابن مقسم من تجويزه القراءة بأي وجه صح من حيث العربية ووافق المصحف وإن لم ينقل كان إجماعا من عامة أهل زمانه ، حتى أن ابن درستويه ( ت 346 ه ) ألف كتابا سماه ( كتاب الرد على ابن مقسم في اختياره ) « 3 » ، ولعله ألفه في الرد على مذهب ابن مقسم في القراءة كما يدل عنوان الكتاب .
وهذه الأقوال والمواقف التي عرضناها تدل على إجماع القراء وعلماء العربية على أن قراءة القرآن لا تجوز بالقياس ولا بالاجتهاد ولا بد فيها من صحة النقل أولا وموافقة الخط ثانيا ، لكن هناك وجها آخر للقضية وهو الموقف الذي اتخذه بعض العلماء من النحاة خاصة تجاه بعض القراءات التي لا تنطبق عليها قواعدهم واتهامها بالشذوذ والضعف من حيث العربية « 4 » . وهو موقف يأباه القراء ولا يلتفتون إلى القائلين به - والحق معهم - ذلك لأن القواعد التي وضعها النحاة جاءت لاحقة ، ووضعت لغرض تعليمي بحت ينفي الشذوذ ولا يعنى إلا بالأمثلة المطردة ، والقراءات مهما كانت من
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد ، ج 2 ، ص 208 ، وانظر أبو البركات الأنباري : ص ( 289 - 290 ) .
( 2 ) ( لا يخفى فسادها على ذي لب ) هذا هو نص أبي البركات الأنباري ( انظر : الهامش السابق ) .
( 3 ) انظر ابن النديم : ص 63 . والقفطي : ج 2 ، ص 114 . وكان ابن النديم قد ذكر لابن درستويه ( ص 35 ) كتابا آخر هو كتاب الاحتجاج للقراء .
( 4 ) انظر : هامش ( 549 ) من هذا الفصل .