المبحث الثالث مقياس الشّذوذ وتطوّره
ذكر ابن جنّي أن مواضع ( ش ذ ذ ) في كلام العرب هو التفرق والتفرد « 1 » ، وقال علم الدين السخاوي : والشاذ مأخوذ من قولهم شذّ الرجل يشذ ويشذ شذوذا إذا انفرد عن القوم ، واعتزل عن جماعتهم ، ثم يقول : وكفى بهذه التسمية تنبيها على انفراد الشاذ وخروجه عما عليه الجمهور . والذي لم يزل عليه الأئمة الكبار القدوة في جميع الأمصار من الفقهاء والمحدثين وأئمة العربية توقير القرآن واجتناب الشاذ واتباع القراءة المشهورة ولزوم الطرق المعروفة في الصلاة وغيرها « 2 » .
ويتبين من العرض السابق لأركان القراءة الصحيحة أن تشذيذ القراءات بدأ منذ نسخ المصاحف في خلافة عثمان بن عفان - رضي اللّه عنه - واعتبر ما خرج عن هجاء الكلمات فيها شاذا ، إذ كان بعض الصحابة يقرءون بما خالف رسم المصحف العثماني قبل كتابته والإجماع عليه « 3 » ، ولم تكن القراءات في تلك الفترة تنسب إلى أشخاص بأعيانهم . ولم تكن معدودة بعدد ، فكل قراءة ثبتت نقلا ووافقت المصحف قرئ بها وجازت روايتها ، وقد عبر عن ذلك الأئمة المتقدمون ، فينقل أبو منصور الأزهري أن « من قرأ بحرف شاذ يخالف المصحف ، وخالف بذلك جمهور القراء المعروفين فهو غير مصيب ، وهذا مذهب الراسخين في علم القرآن قديما وحديثا ، وإلى هذا أومى أبو العباس النحوي وأبو بكر الأنباري في كتاب ألفه في اتباع ما في المصحف الإمام ، وافقه على ذلك أبو بكر ( بن ) مجاهد مقرئ أهل العراق وغيره من الأثبات المتقنين ، ولا يجوز عندي غير ما قالوا » « 4 » .
هامش
( 1 ) الخصائص ، ج 1 ، ص 96 .
( 2 ) جمال القراء : ورقة 82 ب .
( 3 ) ابن الجزري : منجد المقرئين ، ص 21 .
( 4 ) تهذيب اللغة ، ج 5 ، ص 14 .