حيث الصحة والشذوذ هي أصدق تعبير عن واقع العربية في فترة ظهور الإسلام من حيث الأصوات والمفردات والتراكيب « 1 » .
وخير ما يمثل موقف القراء من هذه القضية هو ما قاله أبو عمرو الداني في كتابه ( جامع البيان ) وهو يتحدث عن قراءة أبي عمرو بن العلاء ( بارئكم ) ( البقرة 2 / 54 ) بالإسكان بدل حركة الإعراب ، قال « 2 » : « وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية ، بل على الأثبت في الأثر ، والأصح في النقل والرواية إذا ثبتت لا يردها قياس عربية ولا فشو لغة ، لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها » .
وظل ما قاله الداني يمثل موقف القراء من هذا الموضوع ، وقد صرح ابن الجزري أن « من المحال أن يصح في القراءة ما لا يسوغ في العربية ، بل قد يسوغ في العربية ما لا يصح في القراءة ، لأن القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول » « 3 » . وقد عدّل ابن الجزري نتيجة لهذا الموقف في صيغة الركن الثالث من أركان القراءة الصحيحة فقال مرة « كل قراءة وافقت العربية مطلقا » « 4 » . وقال في أخرى « كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه . . . » « 5 » . فأضاف ( ولو بوجه ) ، وقد بين الغرض من هذه الإضافة بقوله « 6 » : « وقولنا في الضابط ( ولو بوجه ) نريد به وجها من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحا ، مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح ، إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم ، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية ، فكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم بل أجمع الأئمة المقتدى بهم من السلف على قبولها . . . » ثم أورد أمثلة لتلك القراءات التي أنكرها بعض النحاة من مثل إسكان
بارِئِكُمْ ( 54 ) *
[ البقرة ]
هامش
( 1 ) انظر د . عبد الصبور شاهين : تاريخ القرآن ، ص 8 ، والقراءات القرآنية ( له ) ، ص 7 .
( 2 ) جامع البيان ، ورقة 171 أ ، وانظر ما قاله الفخر الرازي ، ص 185 من هذا البحث .
( 3 ) النشر ، ج 1 ، ص 429 .
( 4 ) منجد المقرئين ، ص 15 .
( 5 ) النشر ، ج 1 ، ص 9 .
( 6 ) نفس المصدر ، ج 1 ، ص 10 . وانظر السيوطي : الإتقان ، ج 1 ، ص 211 .