وكذلك المصدر ، هما الصيغة القديمة بالياء ، والصيغة المتطورة بالألف ، فنقول : ( رضي ، ورضى مثل رمى ، ويرضى ويرضي مثل يرمي ، ورضا ورضيا مثل رميا ) ، ولعل مجيء الفعل ( بقي ) بصيغته الأخرى ( بقي ) وكذلك مجيء مصدر ( خزي ) بالصيغتين ( خزيا وخزى ) - مما يسوغ قبول هذه الفكرة « 1 » ، ولا شك أن كثيرا من الأفعال لم تبلغ كل صيغها جميع مراحل ذلك التطور ، فنجد أن بعضها لا يزال يحتفظ بالصورة الأولى للفظ في المضارع أو في الماضي ، وبعضها بالصورتين ، إلا أن فعلا مثلا ( سعى ) قد تحقق التطور فيه في الماضي والمضارع ( سعى ، يسعى ) دون المصدر ( سعيا ) .
ولا يعنينا هنا كثيرا - إذا صح ما قدمناه - أن نحدد تاريخا لذلك التطور الذي حدث في مراحل متقدمة من تاريخ العربية ، بل يبدو أن محاولة تحديد مثل ذلك التاريخ الآن خطوة لا تعتمد على أدلة كافية ، ويكفي أن نعرض مثالا لخطوات ذلك التطور المحتمل في فعل من الأفعال المعتلة بالياء ، فالفعل ( رمى ) كان حسب الأصل المفترض ( رمي )
ramaya
) « 2 » ، ثم حدث أن تطورت الياء وهي متطرفة إلى فتحة طويلة ، ولم يتطلب ذلك التطور سوى سقوط الياء ثم التقاء حركتها بحركة الميم قبلها لتكون الحركتان القصيرتان فتحة طويلة هكذا (
aamar a - amar
) ، ولكن رغم حدوث ذلك التطور في اللفظ فإن الرسم ظل على حالته بالياء ، لأن الكتابة كما ذكرنا من قبل أقل تطورا ، وأكثر احتفاظا بالظواهر القديمة « 3 » .
هامش
( 1 ) قال أبو عمرو الداني ( المحكم ، ص 157 ) وهو يتكلم عن رسم ( تراءى ) بألف واحدة بعد الراء في قوله تعالى : ترآ الجمعان ( 61 ) [ الشعراء ] . إن أصل هذا الفعل هو ( تراءى ) على وزن تفاعل ، ومثل ذلك من السالم تضارب وتقاتل ، فلما تحركت الياء التي هي لام ، وانفتح ما قبلها انقلبت ألفا ، ( تراءا ) ، وهذه الظاهرة هي نفس ما نجده في الأفعال الثلاثية المعتلة في ( رمى وسعى ) .
( 2 ) انظر برجشتراسر : ص 39 .
( 3 ) لاحظ علماء العربية ظاهرة تحول الياء التي تقع طرفا في مثل الأمثلة المذكورة وعبروا عن ذلك بالإبدال مرة وبالقلب أخرى ، وقالوا إن الياء والواو إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفا أو أبدل منهما الألف ، ( انظر ابن يعيش : ج 10 ، ص 16 و 98 ، والسيوطي : همع الهوامع ، ج 2 ، ص 222 ) ، وهي ملاحظة صادقة وصحيحة ، ولكن التعبير عنها بالإبدال أو القلب جاء قاصرا ( انظر د . عبد الصبور شاهين : القراءات القرآنية ، ص 77 ) ، إذ لا يحدث في تلك الأمثلة أي قلب أو إبدال ، إنما تسقط الياء أو الواو وتتخلف عن ذلك فتحتهما والفتحة السابقة لهما فتكونان فتحة