تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسم المصحف — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
الكتابة النبطية كانت تكتب بحروف منفصلة متميزة بعضها عن بعض في الفترات المبكرة من تاريخها ، إلا أنه بتقدم الزمن مالت الحروف في الكلمة الواحدة إلى أن ترتبط برباط ساعد على أن تفتقد بعض الحروف صورتها المستقلة وتقترب من صور حروف أخرى ، وأدى ذلك أيضا إلى تعدد صورة الحرف الواحد تبعا لاختلاف موقعه في الكلمة ، وقد ظلت ظاهرة اشتراك بعض الأصوات الصامتة في رمز واحد في الكتابة العربية قائمة عندما استخدمها كتبة الوحي في تدوين النص القرآني ، وحين نسخوا المصاحف العثمانية ، واستمرت الحال كذلك إلى النصف الثاني من القرن الأول الهجري ، على ما يرجح ، وعلى ما سيتبين في فصل تال إن شاء اللّه . ولعل مما يشير إلى أن رموز الكتابة العربية كانت في يوم ما متميزة عن بعضها في الشكل ما نجده من اختلاف صور رموزها عندما تكون منفصلة أو في نهاية الكلمة . على أن التشابه في صور رموز بعض الأصوات لم يكن يمثل عقبة في وجه القراءة الصحيحة للنص المكتوب ، خاصة مع تمكن اللغة الفصيحة من نفوس الناس آنذاك ، إلى جانب أن التلقين الشفهي كان الوسيلة الأولى قبل الكتابة لتلقي النص القرآني وحفظه وإذاعته . ويبدو أن عملية استخلاص الأصوات التي خصها الكتاب برموز مستقلة كانت عملية لغوية تحليلية عميقة تستحق التأمل ، خاصة أنها حدثت في وقت متقدم جدا من تاريخ الحضارة الإنسانية ، أي مع اختراع نظام الكتابة الهجائية القائم على أساس تخصيص رمز واحد لكل صوت من أصوات اللغة ، وتظهر أهمية تلك العملية عندما نعلم أن اللغة المنطوقة التي يمثلها في الكتابة عدد محدود من الرموز تحتوي أضعاف تلك الرموز من الأصوات اللغوية المتميزة في النطق ، وكان على الكاتب الأول أن يختزل ذلك العدد الضخم من الأصوات التي يحاول تمثيلها في الكتابة إلى عدد أقل من الوحدات التي يطلق عليها في الدراسات اللغوية المعاصرة مصطلح ( الفونيم
Phoneme
) « 1 » والتي خصص لكل منها رمز خطي واحد ، فالنون - مثلا - اصطلاح شامل يدخل تحته عدد من الأصوات ، كالذي في بداية ( نحن ) والذي قبل الثاء في ( إن ثاب ) وقبل الظاء في
هامش
( 1 ) انظر في معنى الفونيم والنظريات التي قامت حول تحديد مفهومه : د . محمود السعران : ص 121 وما بعدها . ود . كمال محمد بشر : الأصوات ، ص ( 201 - 213 ) .
رسم المصحف — صفحة 214 | غانم قدوري الحمد