تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسم المصحف — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨

أولا : أصوات اللغة العربية ورموزها عند علماء العربية :

وعلينا أن نبين هنا أن فهم علماء العربية لهذه المسألة قد اضطرب في بعض الأحيان ، نتيجة الخلط بين الأصوات المنطوقة وبين الرموز المكتوبة من جانب ، وغياب البعد التاريخي لتطور الأبجدية من جانب آخر ، فأصل حروف العربية عند الخليل وسيبويه تسعة وعشرون حرفا ، لكن الخليل ميز الصحاح التي لها أحياز ومخارج وجعلها خمسة وعشرين وهي ما عدا الواو والياء والألف اللينة والهمزة ، والتي سماها هوائية ، لأنها تخرج من الجوف ، فلا تقع في مدرجة من مدارج أعضاء النطق « 1 » ، ولا شك أن هذا الفهم يقوم على عدم التمييز بين قيم هذه الأصوات الأربعة من حيث كونها ذات ارتباط بالأصوات الصامتة من جانب وبالحركات من الجانب الآخر ، وكأن اشتراكها في الرموز في حال كونها صوامت وحركات هو الذي أسهم في ترسيخ هذا الفهم . أما سيبويه فقد اكتفى بإيرادها مرتبة على حسب ذواقه لمخارجها ، وقد جرى على نهج أستاذه - رغم ما قد يكون بينهما من اختلاف في بعض الجوانب - في عدم الانتباه إلى الحدود الفاصلة بين الواو والياء حينما يكونان في باب الأصوات الصامتة وحين يكونان في باب الحركات الطويلة ، ويؤكد هذا الزعم أنه ذكر في مطلع أبجديته الصوتية الهمزة ثم الألف ، ولم يذكر الواو والياء إلا مرة واحدة « 2 » . ومما يؤكد انخداع أئمة العربية بالرموز الكتابية أنهم ذكروا أصواتا أخرى هن فروع وأصلها من التسعة والعشرين ، تصل بها إلى اثنين وأربعين حرفا ، منها جيد يستحسن وبعضها رديء ليس بمشهور في لغة من ترضى عربيته ، ولا يستحسن في قراءة القرآن ولا الشعر ، والمهم في ذلك أن سيبويه عقب على ذلك بقوله « وهذه الحروف التي تممتها اثنين وأربعين جيدها ورديئها أصلها التسعة والعشرون لا تتبين إلا بالمشافهة » « 3 » ، وأن المبرّد ذكر الحروف المستحسنة التي تبلغ بها حروف العربية خمسة وثلاثين ، وقال عنها « اعلم أن الحروف العربية خمسة وثلاثون حرفا ، منها ثمانية وعشرون لها
هامش
( 1 ) انظر : كتاب العين ، بغداد ، مطبعة العاني ، 1967 ، ج 1 ، ص 64 . وابن منظور : ج 1 ، ص 7 . ( 2 ) انظر : سيبويه ( أبو بشر عمرو بن عثمان ) : الكتاب ، ط 1 ، القاهرة ، بولاق 1317 ه ، ج 2 ، ص 404 . ( 3 ) نفس المصدر وانظر : ابن جني : سر صناعة الإعراب ، ج 1 ، ص 51 .