وقد ثبت أن ورود الرخصة والتيسير كانت بعد الهجرة النبوية إلى المدينة ، وأن روايات الحديث كانت تصف أحداثا وقعت في المدينة « 1 » . وهذا يعني أن الاختلاف في القراءة لم يكن قد برز في المجتمع المكي حيث كان المسلمون من بيئة لغوية واحدة ، تكاد تنعدم فيها الفروق اللغوية ، وحين هاجر النبي وصحابته إلى المدينة المنورة تغيرت الحال ، فازداد عدد المسلمين ، وامتد الإسلام إلى خارج المدينة بين القبائل العربية في بيئات لا تخلو من الفوارق اللغوية ، واختلاف العادات النطقية ، ولما كان الإسلام يهدف إلى أن يتلو القرآن كل مسلم فقد ظهرت مشكلة القدرة على تحقيق ألفاظ التلاوة بكل خصائصها الصوتية ، لأن العرب « متباينون في كثير من الألفاظ واللغات ، ولكل عمارة لغة دلت بها ألسنتهم ، وفحوى قد جرت عليها عاداتهم » « 2 » .
ويصور ابن قتيبة أبعاد تلك الرخصة حين يقول « 3 » : « فكان من تيسيره ( سبحانه ) أمره ( النبي ) بأن يقرئ كلّ قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم . فالهذلي يقرأ ( عتى حين ) يريد ( حتى حين ) لأنه كان يلفظ بها ويستعملها ، والأسدي يقرأ : تعلمون وتعلم ، و ( تسودّ وجوه ) ، و ( ألم اعهد إليكم ) ، والتميمي يهمز ، والقرشي لا يهمز ، والآخر يقرأ ( وإذا قيل لهم ) ، و ( غيض الماء ) بإشمام الضم مع الكسر ، و ( هذه بضاعتنا ردت إلينا ) بإشمام الكسر مع الضم ، و ( مالك لا تأمنا ) بإشمام الضم مع الإدغام ، وهذا ما لا يطوع به كل لسان .
ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا ، لاشتد ذلك عليه ، وعظمت المحنة فيه ، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة ، وتذليل للسان ، وقطع للعادة ، فأراد اللّه ، برحمته ولطفه ، أن يجمل متسعا في اللغات ومتصرفا في الحركات » .
وسواء أكان عدد السبعة الوارد في الحديث الشريف مقصودا به الحصر ، كما يذهب إلى ذلك أكثر من أشرنا إلى آرائهم ، أم أنه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بحيث لا
هامش
( 1 ) انظر ابن حجر : ج 10 ، ص 403 . ود . عبد الصبور شاهين : تاريخ القرآن ، ص 39 . ود . عبده الراجحي : اللهجات العربية في القراءات القرآنية ، القاهرة ، دار المعارف ، 1969 ، ص 68 .
( 2 ) البلوي ، ج 1 ، ص 211 . وانظر ابن النديم : ص 5 .
( 3 ) تأويل مشكل القرآن ، ص 30 . وانظر مكي : الإبانة ، ص 42 . والداني : جامع البيان ، ورقة 5 ب .