تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسم المصحف العثمانى — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
ولما مات النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم خرج جماعة من الصحابة في أيام أبى بكر « 1 » وعمر إلى ما افتتح من الأمصار ؛ ليعلّموا الناس القرآن والدين ، فعلّم كلّ واحد منهم أهل مصره على ما كان يقرأ على عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فاختلفت قراءة أهل الأمصار على نحو ما اختلفت قراءة الصحابة الذين علّموهم . فلما كتب عثمان المصاحف وجّهها إلى الأمصار « 2 » وحملهم على ما فيها ، وأمرهم بترك ما خالفها ، قرأ أهل كل مصر مصحفهم الذي وجه إليهم على ما كانوا يقرءون قبل وصول المصحف إليهم مما يوافق خط المصحف ، وتركوا من قراءتهم التي كانوا عليه مما يخالف خط المصحف ، فاختلفت قراءة أهل الأمصار لذلك بما لا يخالف الخط ، وسقط من قراءتهم كلهم ما يخالف الخط . ونقل ذلك الآخر عن الأوّل في كلّ مصر ، فاختلف النقل لذلك ، حتى وصل النقل إلى هؤلاء الأئمة السبعة على ذلك ، فاختلفوا فيما نقلوا على حسب اختلاف أهل الأمصار ، لم يخرج واحد منهم عن خط المصحف فيما نقل ، كما لم يخرج واحد من أهل الأمصار عن خط المصحف الذي وجّه إليهم . فلهذه العلة اختلفت رواية القراء فيما نقلوا ، واختلفت أيضا قراءة من نقلوا عنه لذلك . واحتاج كلّ واحد من هؤلاء القراء أن يأخذ مما قرأ ويترك ؛ فقد قال نافع : قرأت على سبعين من التابعين ، فما اجتمع عليه اثنان أخذته ، وما شك فيه واحد تركته حتى اتبعت هذه القراءة . وقد قرأ الكسائي على حمزة ، وهو يخالفه في نحو ثلاثمائة حرف ؛ لأنه قرأ على غيره « 3 » ، فاختار من قراءة حمزة ومن قراءة غيره قراءة ، وترك منها كثيرا . وكذلك أبو عمرو قرأ على ابن كثير ، وهو يخالفه في أكثر من ثلاثة آلاف حرف ؛ لأنه قرأ على غيره « 4 » ، واختار من قراءته ومن قراءة غيره قراءة . فهذا سبب الاختلاف الذي سألت عنه .
هامش
( 1 ) أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه أول الخلفاء الراشدين ( رضوان اللّه عليهم أجمعين ) . ( 2 ) البصرة ، والكوفة ، ومكة ، والشام ، واليمن ، والبحرين ، وأمسك لنفسه مصحفا الذي يقال له الإمام ( النشر : 1 / 8 ) . ( 3 ) الإبانة عن معاني القراءة لمكى ص : 55 ، المكتبة الفيصلية . ( 4 ) المصدر السابق ص : 55 .