الرواية الثانية : في مجلس طعام بعد أن ينتهي عن الأكل يسأل المحدث عن ابن غريب المغني ونصها : فقلت له : أين ابن غريب ؟ فقال لي عند بعض الرؤساء وقد حال بيننا وبينه ، فشق علي وتبين أبو بكر بن مجاهد ذلك مني ، فقال لي : هاهنا من ينوب عن ابن غريب .
فتحدّثنا ساعة . فقلت له : لا أرى للنائب عن ابن غريب خبرا ولا أثرا ، فدافعني فصبرت ساعة ، ثم كررت الخطاب عليه وألححت ، ولست أعلم من هو النائب بالحقيقة عن ابن غريب . فقال للفتى : هات قضيبا ، فأتاه به ، فأخذه أبو بكر ووقع واندفع يغني ، فغناني نيفا وأربعين صوتا في غاية الحسن والطيبة والإطراب ، فأشجاني وحيرني فقلت له : يا أستاذ متى تعلمت هذا وكيف تعلمته ؟ فقال : يا بارد تعلمته لبغيض مثلك لا يحضر الدعوة إلا بمغن ، ومضى لنا يوم طيب [ تاريخ الطبري 5 / 147 ] .
ولعل الرواية الأولى من ديانته - كما وصفه ابن النديم - والثانية من رقيق خلقه وكثرة المداعبة كما وصفه بذلك أيضا ، وهذه الصفة انعدمت تجاه مناوئه ابن شنبوذ ( ت 328 ه ) الذي كان يناوئ ابن مجاهد ولا يعاشره - كما يقول ابن النديم - وجرت هذه المناوئة الويل على ابن شنبوذ الذي سعى ابن مجاهد ضده حتى ضرب أسواطا ومات في محبس السلطان كما تشير إلى ذلك مصادر ترجمته .
قال الذهبي ( ت 748 ه ) في ترجمة ابن مجاهد ( ت 324 ه ) ما لفظه : ولد سنة خمس وأربعين ومائتين بسوق العطش من بغداد ، وسمع الحديث من سعدان بن نصر ، وأحمد بن منصور الرمادي ، ومحمد بن عبد اللّه المخرمي ، وأبي بكر الصنعاني ، وعباس الدّوري ، وخلق .
وقرأ القرآن على أبي الزّعراء بن عبدوس ، وقنبل المكي . وسمع القراءات من طائفة كبيرة ، مذكورين في صدر كتابه ، وتصدر للإقراء ، وازدحم عليه أهل الأداء ، ورحل إليه من الأقطار وبعد صيته .
وقال عبد الواحد بن أبي هاشم : سأل رجل ابن مجاهد لم لا يختار الشيخ لنفسه حرفا يحمل عنه ، فقال : نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا ، أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا .
وقال فارس بن أحمد : انفرد ابن مجاهد عن قنبل بعشر أحرف لم يتابع عليها .
وقال علي بن عمر المقرئ : كان ابن مجاهد له في حلقته أربعة وثمانون خليفة ، يأخذون على الناس .
دراسه حول القرآن الكريم — صفحة 254
مساهمون: محمد حسين الحسيني الجلالي
ص٢٥٤