روى الطبري ( ت 310 ه ) بإسناده قال : قرأ رجل عند عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فغيّر عليه ، فقال : لقد قرأت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلم يغيّر عليّ . قال : فاختصما عند النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فقال : يا رسول اللّه ، ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال : « بلى ! » قال : فوقع في صدر عمر شيء ، فعرف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذلك في وجهه ، قال : فضرب صدره وقال : « أبعد شيطانا » - قالها ثلاثا - ثم قال : « يا عمر ، إن القرآن كله صواب ، ما لم تجعل رحمة عذابا أو عذابا رحمة » [ الطبري 1 / 37 ] .
وهذه الرواية وأمثالها لا ترفع الشك إلا بضربة نبوية صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وللطبري أيضا رواية أخرى قد تلقي بعض الضوء على ذلك .
عن زر بن حبيش ، قال : قال عبد اللّه بن مسعود : تمارينا في سورة من القرآن ، فقلنا : خمس وثلاثون أو ست وثلاثون آية . قال : فانطلقنا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فوجدنا عليّا يناجيه ، قال : فقلنا : إنا اختلفنا في القراءة . قال : فاحمر وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقال : « إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم بينهم » .
قال : ثم أسرّ إلى عليّ شيئا ، فقال لنا علي : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يأمركم أن تقرءوا كما علّمتم . [ الطبري 1 / 36 ] .
فإن قوله عليه السّلام : « أن تقرءوا كما علّمتم » يشير إلى أن هناك طريقة خاصة في نقل القرآن وهي التعليم . كان النبي وأصحابه يعلمون الآخرين قراءة النص القرآني وفي مقابل تلك طريقة أخرى هي القراءة من دون تعليم وهذا ما نعنيه بالقراءة الحرة التي لا تتقيد بالتعلم والتعليم . ويظهر أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أجاز هذه القراءة الحرة في مناسبات خاصة لا تضر بسلامة النص القرآني كما تدل عليه الروايات المتقدمة .
ولم تختلف الحال بعد جمع عثمان القرآن فإن الملاحظ في القراءات الحرة منذ جمع عثمان حتى القرن الرابع الاعتماد على الرواية في القراءات شأنها شأن الروايات في تسلسل الإسناد طبقة عن طبقة . ولم تحدد شروط خاصة في هذه الروايات سوى القراءة على الأستاذ من آيات معينة أو سور وربما القرآن كله ، وكانت الحرية في انتقاء قراءة خاصة تتبع رغبة القارئ الشخصية .
ويدل على ذلك ما ذكره الذهبي ( ت 748 ه ) في ترجمة سعيد بن جبير قال ما لفظه :
ابن هشام الإمام العلم أبو عبد اللّه الأسدي الوالبي ، مولاهم ، الكوفي . وعن ابن عباس رضي اللّه عنه قال : يا أهل الكوفة ، تسألوني وفيكم سعيد بن جبير .
دراسه حول القرآن الكريم — صفحة 251
مساهمون: محمد حسين الحسيني الجلالي
ص٢٥١