ثم ارتد ورجع إلى مكة فنزل فيه » :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ
[ الأنعام : 93 ] .
قال ابن الأثير ( ت 630 ه ) : « عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب بن حذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري ، قريش الظواهر ، وليس من قريش البطاح ، يكنى أبا يحيى ، وهو أخو عثمان بن عفان من الرضاعة أرضعت أمه عثمان ومالك بن سالم بن عرب وأسلم قبل الفتح ، وهاجر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وكان يكتب الوحي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ثم ارتد مشركا ، وصار إلى قريش بمكة ، فقال لهم : إني كنت أصرف محمدا حيث أريد ، وكان يملي علي : « عزيز حكيم » فأقول : « أو عليكم حكيم » ؟
فيقول : « نعم ، كل صواب » .
فلما كان يوم الفتح أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بقتله وقتل عبد اللّه بن خطل ومقيس بن صبابة ولو وجدوا تحت أستار الكعبة . ففر عبد اللّه بن سعد إلى عثمان بن عفان ، فغيّبه عثمان حتى أتى به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد ما اطمأن أهل مكة ، فاستأمنه له ، فصمت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم طويلا ، ثم قال : نعم . فلما انصرف عثمان قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمن حوله : ما صمتّ إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه . فقال رجل من الأنصار : فهلا أومأت إليّ يا رسول اللّه ؟ فقال : إن النبي لا ينبغي أن يكون له خائنة الأعين » [ أسد الغابة 2 / 259 ] .
وجاء في تفسير قوله عزّ وجلّ :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ
[ الأنعام : 93 ] . عن الصادقين قال : « نزلت في ابن أبي سرح الذي كان عثمان استعمله على مصر وهو ممن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد هدر دمه يوم فتح مكة وكان يكتب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فإذا أنزل اللّه :
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[ الأنفال : 10 ] كتب
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
[ التوبة : 28 ] فيقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : دعها وكان ابن أبي سرح يقول للمنافقين اني لأقول من نفسي مثل ما يجيء به فما يغير علي . فأنزل اللّه :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
[ الأنعام : 21 ] إلى آخر الآية » [ الوافي 1 / باب تفسير الآيات ] .
قال البيضاوي ( ت 691 ه ) في تفسيره ما لفظه : « كان عبد اللّه بن مسعود بن أبي سرح يكتب وحي النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في المدينة ، فلما نزلت الآيات :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
[ المؤمنون : 12 - 14 ] . فلما بلغ قوله :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
قال عبد اللّه :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
فقال له محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « اكتبها فكذلك نزلت » فشك عبد اللّه وقال : لئن كان محمد صادقا لقد أوحي