أصنام وقتل وشذوذ ، وهي كلمة أليق بالذات الإلهية التي تقدم الرحمة على الغضب ، وأن هذه الشنائع مهما بلغت من أوج الوحشية لا تؤثر في ذاته تعالى .
وواضح أن البيان القرآني جعل الجهر بالسوء فعلا قبيحا في شتى الأمور ، حرصا على تماسك المجتمع المؤمن إن كان التعبير داخل المجموعة الإسلامية ، وحرصا على استجلاب القلوب غير المؤمنة إلى التوحيد إن كان التعبير خارج المجموعة المؤمنة ، لأن المسلم مطالب بتقديم صيغة جيدة من المنظومة اللغوية ، مطالب بجمال الشكل الذي يظهر به ذخيرته الفكرية حيث الجمال والحق ، قال تبارك وتعالى :
* لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً
[ النساء : 148 ] .
وكما أنه حرّم الزنى ، ووضع سدا للذرائع بعدم الاقتراب :
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى
[ الإسراء : 32 ] ، كذلك نهى النفس عن مجرد الوساوس بالاستيلاء على أموال اليتامى فقال :
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ الإسراء : 34 ] .
والألفاظ التهذيبية في القرآن الكريم زاد وفير لا يستغني عنه الدعاة في ملاطفة المدعومين ، لأن حسن المعاملة يؤكد صحة الاعتقاد ، ورفعة الدعوة ، وعن أهل الكهف قال عز وجل :
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً
[ الكهف : 19 ] ، إنه يتطلف ما دام غريبا وفي هذا درس بليغ في نطاق الدعوة .
بل إن هذا الأمر يتضح جليا في مخاطبة الكفرة ، لأن السلوك الخشن يزيد في النفور ، فقد نصح اللّه عز وجل موسى عليه السلام وأخاه هارون بالقول اللين لدى مقابلة فرعون رمز الكفر والطغيان :
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
[ طه : 44 ] .