يقول : « ذكر المتقون بلفظ التبجيل ، وهو أنهم يجمعون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته ، وخصّهم برضوانه وكرامته ، كما يفد الوفاء على الملوك منتظرين الكرامة عندهم ، وذكر الكافرون بأنهم يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف ، كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء » « 1 » .
ويبدو أنه يقارن من هذه الحال الخاصة بغضّ النظر عن سياق آخر ، فهو يريد تخصيص نوع من الأفعال في موقف الموازنة فحسب ، أي عندما يذكر مصير كل من المؤمنين والكافرين معا في مكان واحد ، فجعل الحشر للمؤمنين والسوق للكافرين .
والقرآن الكريم يسند فعل السوق إلى المؤمنين كما في قوله تعالى :
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً
[ الزمر : 71 ] ، فالفعل هنا لا يتخذ أبعاد ما كان في الآية الكريمة السابقة ، فهو يعني مجرد الجمع ، وهنالك يقترب من معنى جمع البهائم .
وكذلك لم يخصص فعل الحشر في القرآن الكريم للمؤمنين ، فهو يسند إلى الكفاء والشياطين وسحرة فرعون ، كما في الآية الكريمة :
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا
[ مريم : 68 ] ، ويسند إلى الوحوش
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
[ التكوير : 5 ] ، وهذا لا يعني عدم إحاطة الزمخشري ، بل يدل على تذوقه الموازنة بين مصيرين في مقام تقصد فيه الموازنة .
ومن هذه اللفتات الجيدة التي نبهته عليها الموازنة ما جاء في الآية الكريمة :
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ
[ النساء : 141 ] ، أي ألم نغلبكم فأبقينا عليكم ، وهذه حال المنافقين ، انتهازية مستمرة وذبذبة
هامش
( 1 ) الكشاف : 2 / 524 ، وانظر مدارك التنزيل للنسفي : 3 / 45 .