لتفكيك المجتمع ، ويوازن الزمخشري بين الفتح والنصيب .
يقول : « فإن قلت : لم سمّى ظفر المسلمين فتحا ، وظفر الكافرين نصيبا ؟ قلت : تعظيما لشأن المسلمين ، وتخسيسا لحظ الكافرين ، لأن ظفر المسلمين أمر عظيم تفتح لهم أبواب السماء حتى ينزل على أوليائه ، وأما ظفر الكافرين ، فما هو إلّا حظ دنىء ولمطة من الدنيا يصيبونها » « 1 » .
وهكذا يحاول الزمخشري جاهدا أن يقنعنا بجمال المفردة القرآنية معتمدا معايير مختلفة من اللغة والبلاغة والواقع النفسي ، إذ يعتمد معطيات الذوق السليم والفطرة والمنطق والاستعمال الصحيح للغة ، وهذا يطرد في كل جوانب جمال في كل جوانب جمال الكلمة على القرآنية ، ولا يقتصر على جانب الدلالة التهذيبية .
ومن هذا الشواهد التي ترد في أبواب الكناية عند البلاغيين ، مثل قوله عز وجل :
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
[ المائدة : 75 ] في الكلام على عيسى وأمه عليهما السلام ، وكذلك الآية الكريمة
أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ
[ المائدة : 6 ] ، وذلك لأن الحدث ملازم لأكل الطعام ، وأن الغائط في الأصل هو المنخفض من الأرض يقصد لقضاء الحاجة ، فسمي الحدث باسم موضعه « 2 » .
وكذلك قوله تعالى :
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
[ هود :
113 ] ، فثمة فرق بين المس والإحراق ، يقول ابن أبي الإصبع : « الركون إلى الظلم دون فعل الظالم نفسه ، ومسّ النار دون إحراقها ، والدخول
هامش
( 1 ) الكشاف : 1 / 573 ، وانظر مدارك التنزيل للنسفي : 1 / 257 ، واللمظة :
اليسير من الشيء تأخذه بالإصبع .
( 2 ) انظر مثلا تحرير التحبير ، لابن أبي الإصبع ، ص / 418 .