فيها ، والعدل يقتضي أن يكون العقاب على قدر الذنب » « 1 » .
ويظهر أنه ينطلق من خلال الحس اللغوي بالفروق ، فمقتضى الحال يتطلب المسّ ، لأن المخاطبين مؤمنون ، فلا بد من الملاطفة في خطابهم وتحذيرهم .
وقرين هذا قوله عز وجل في سورة الأنفال :
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
[ الأنفال : 68 ] ، وذلك لقبول الصحابة بفداء الأسرى ، في حين تخصص مفردات الإحراق التام والصديد والنار في البطون والمقامع والملائكة الغلاظ للكافرين والمجرمين ، فالمس يدل على ملاطفة في التنبيه فضلا عن الجرس الهادئ الهامس للكلمة ، ويعدّ ما ذكره ابن أبي الإصبع بادرة فنية تستند إلى مقياس العدل في العقاب .
وقد دعا القرآن الكريم إلى تطهير الجسد ، كما دعا إلى تطهير الروح من درن الدنيا وخبائثها بالأفكار الملوثة ، ويقول تعالى :
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
[ المائدة : 90 ] ، فكلمة رجس ، تنم على إبعاد المؤمن عن أخلاقية دنيئة ، منشؤها معاقرة الخمر ، واتباع الأصنام ، ولعب القمار ، هي على تهذيبها تشتمل على تحذير ، حتى يتصور المرء الرجل السكير قطعة نجسة ، وأن المشرك ملوث من الداخل والخارج تلويثا غير حاضر الحس ، لأنه من عمل الشيطان مما يزيده ترهيبا ، إنها كلمة واحدة مهذّبة مختزلة .
وكان التعبير عن فظائع الكافرين بكلمة « آسفونا » في قوله عز وجل :
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ
[ الزخرف : 55 ] ، وهذه الكلمة لا تتصل بالكناية أو التعريض أو الإلغاز مما قصر عليه القدماء جمالية التهذيب ، وإنما هي كلمة ترد على شفائع الكفار من استكبار واستهزاء ، وعبادة
هامش
( 1 ) تحرير التحبير ، ص / 418 .