نزلت آيات كثيرة في القرآن الكريم على أسباب مخصوصة ، واتفق العلماء على تعديتها إلى غير أسبابها كنزول آيات الظهار واللعان وحد القذف . لكن لو نزلت آية في شخص معين ولا عموم للفظها فإنها تقصر عليه قطعا كقوله تعالى :
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى
« 1 » .
فهذا القول الكريم قد نزل في حق الصديق رضى اللّه عنه بالإجماع ، وقد استدل بها الإمام فخر الدين الرازي « 2 » رحمه اللّه مع قوله تعالى :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
« 3 » على أنه أفضل الأمة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
ومن ظن بأن الآية عامة في كل من عمل عمله فهو واهم « 4 » ، لأن الآية ليس فيها صيغة عموم إذ الألف واللام إنما تفيد العموم إذا كانت موصولة أو معرفة في جمع . زاد قوم : أو مفرد بشرط ألا يكون هناك عهد ، واللام في الأتقى ليست موصولة لأنها لا توصل بأفعل التفضيل إجماعا ، والأتقى ليس جمعا بل هو مفرد ، والعهد موجود خصوصا مع ما يفيده صيغة - أفعل - من التمييز وقطع المشاركة ، فبطل القول بالعموم وتعين القطع بالخصوص والقصر على من نزلت فيه وهو الصديق رضى اللّه عنه « 5 » .
الرابعة : قد يتعدد النازل والسبب واحد ، وقد يتعدد السبب والنازل واحد .
هامش
( 1 ) سورة الليل آيتا : 17 ، 18 .
( 2 ) تفسير الفخر الرازي 31 / 204 .
( 3 ) سورة الحجرات الآية : 13 .
( 4 ) وهم في الحساب غلط فيه وسها وبابه فهم ، ووهم في الشيء من باب وعد إذا ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره - مختار الصحاح 738 -
( 5 ) الإتقان في علوم القرآن 1 / 113 ، والتمهيد 94 .