يمكننا قراءته مرة أخرى في ضوء ما يتيحه الخطاب اللغوي من أفق غير محدود يقاس على أي مقام مشابه ، ولأيّ مخاطبين محتملين في قادم الزمان ؟ وهل يمكن اعتبار الخطاب القرآني خطابا مفتوحا قابلا لعدد غير محدود من القراءات ضمن ضوابط هذا الكتاب الكريم ؟ ولن نجيب على هذه الأسئلة الكبيرة إلّا في ضوء ما أسعفنا به المفسّرون في قراءاتهم المختلفة لسورة البقرة .
وعن هذا الموضوع يحدّثنا الزمخشري في تفسيره للآية
" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ . . "
قال : " والتعريف يجوز أن يكون للعهد ، وأن يراد بهم ناس بأعيانهم كأبي لهب وأبي جهل والوليد . . وأضرابهم ، وأن يكون للجنس متناولا كلّ من صمم على كفره تصميما لا يرعوي بعده ، وغيرهم " « 1 » . ومنه كذلك لدى الزمخشري قوله معقّبا على إحدى الآيات " فإن قلت : لا يخلو الأمر بالعبادة ، من أن يكون متوجّها إلى المؤمنين والكافرين جميعا ، أو إلى كفّار مكّة خاصة . . . " « 2 » . وفي موضع آخر في شرح الآية ( 21 ) يقول : " فإن قلت كما خلق المخاطبين لعلّهم يتّقون ، فكذلك خلق الذين من قبلهم لذلك ، فلم قصره عليهم دون من قبلهم ؟ قلت لم يقصره عليهم . ولكن غلب المخاطبون على الغائبين في اللفظ والمعنى " « 3 » .
وفي تفسير الزمخشري للآية ( 25 )
" وَبَشِّرِ "
قلت : يجوز أن يكون رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأن يكون كلّ أحد كما قال عليه السلام : بشّر المشّائين إلى المساجد في الظلم بالنور التامّ يوم القيامة " . لم يأمر بذلك واحدا بعينه وإنّما كلّ أحد مأمور به ، وهذا الوجه أحسن وأجزل . . . " « 4 » . وعند الطبري مثال آخر إذ إنّه في تفسيره للآية
" وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ . . "
آية ( 10 ) . قال ( نزلت في المنافقين الذين كانوا على عهد
هامش
( 1 ) الكشاف ، 1 / 47 .
( 2 ) نفسه ، 1 / 90 .
( 3 ) نفسه ، 1 / 93 .
( 4 ) نفسه ، 1 / 104 .