ومن المواضع التي يبدو المقام فيها فيصلا في فهم النصّ ، تفسير الرازي للآية
" أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ "
قال : " أي بالقتال والإجلاء ، وذلك أنّ قريظة كانوا حلفاء الأوس ، والنضير كانوا حلفاء الخزرج ، فكان كلّ فريق يقاتل مع حلفائه ، وإذا غلبوا خرّبوا ديارهم وأخرجوهم ، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه ، فعيّرتهم العرب وقالت : كيف تقاتلونهم ثمّ تفدونهم ، فيقولون : أمرنا أن نفديهم ، وحرّم علينا قتالهم ، ولكنّنا نستحي أن نذلّ حلفاءنا ، والخزي قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير و . . . . . . . . " « 1 » . ومن صور العلاقة بين النصّ والمقام الالتفات إلى العرف اللّغوي لدى الجماعة اللّغويّة المخاطبة في استخدام بعض الألفاظ أو التعابير أو التراكيب . ومنه في جواب الطبري لمن قال " كيف يكون المنافق للّه وللمؤمنين مخادعا وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلّا تقية ؟ قيل لا تمتنع العرب من أن تسمّي من أعطى بلسانه غير الذي هو في ضميره تقية ، لينجو ممّا هو له خائف ، فنجا بذلك ممّا خافه ، مخادعا لمن تخلّص منه بالذي أظهر له من التقية ، فذلك المنافق سمّي مخادعا للّه . . . . . " « 2 » . ومنه كذلك عند الطبري في تفسير الآية ( 133 )
" أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ . . "
قال " يعني تعالى ذكره بقوله " أم كنتم شهداء " ( أكنتم ) ولكنه استفهم ب أم إذ كان استفهاما مستأنفا على كلام قد سبقه كما قيل
" ألم
تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ "
« 3 » . وكذلك تفعل العرب في كلّ استفهام ابتدأته بعد كلام قد سبقه تستفهم فيه ب ( أم ) « 4 » .
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 4 / 161 .
( 2 ) تفسير الطبري ، 1 / 105 .
( 3 ) سورة السجدة ، الآيات من ( 1 - 3 ) .
( 4 ) تفسير الطبري ، 1 / 396 .