تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
ويوازن المفسّرون بين السياقات اللّغويّة في النصّ القرآني من حيث ترتيب الأحداث فيها وحدوث التقديم والتأخير ، ومن ذلك التقديم والتأخير في العدل والشفاعة في الآيتين ( 48 ) و ( 123 ) من سورة البقرة ، والذي مرّ معنا سابقا ، والذي يمكن أن نجد تفسيره على المستوى التداولي بربط الظاهرة الأسلوبية بهدف النّص ، " قطعا لطمع من " ، وأيضا يفسّر في ضوء المقام الاجتماعي " أحوالهم التي يصوّرها النّص " وقريب منه قوله تعالى : "
وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
" في الآية ( 173 ) من سورة البقرة ، قدّم ( به ) في هذه السورة ، وأخّرها في المائدة في الآية ( 3 ) ، وفي الأنعام في الآية ( 145 ) ، وفي النحل في الآية ( 115 ) قيل " لأنّ تقديم الباء الأصل فإنّها تجري مجرى الألف ، والتشديد في التعدّي ، وكان كحرف من الفعل ، وكان الموضع الأوّل أولى بما هو الأصل ، ليعلم ما يقتضيه اللفظ ثم قدّم فيما سواها ما هو المستنكر وهو الذبح لغير اللّه ، وتقديم ما هو الغرض أولى ، ولهذا جاز تقديم المفعول على الفاعل والحال على ذي الحال ، والظرف على العامل فيه ، إذا كان أكثر ذلك في الغرض في الإخبار " « 1 » ومرّة أخرى يرتبط التقديم والتأخير بسياق الحال ويغرض الخطاب . وفي قوله تعالى : "
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
" « 2 » ( يغفر ) مقدّم هنا وفي غيرها ، إلّا في المائدة فإنّ فيها "
يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ
" « 3 » " لأنّها نزلت في حقّ السارق والسارقة وعذابهما يقع في الدنيا فقدّم لفظ العذاب ، وفي غيرها قدّم لفظ المغفرة رحمة منه سبحانه وترغيبا للعباد في المسارعة إلى موجبات المغفرة " « 4 » . إنّ أمامنا مثالا جميلا على ترتّب الخطاب وتلوّنه بحسب السياق ، فإنّ النّصين يحملان مضمونا
هامش
( 1 ) الفيروزآبادي ، بصائر ذوي التمييز ، 1 / 154 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 284 ) . ( 3 ) سورة المائدة ، الآية ( 40 ) . ( 4 ) الفيروزآبادي ، بصائر ذوي التمييز ، 1 / 155 .