وفي تفسير الزمخشري لقوله تعالى "
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
" يقول : " وفي تقديم الآخرة ، وبناء يوقنون على ( هم ) تعريض بأهل الكتاب ، وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته ، وأنّ قولهم ليس بصادر عن إيقان ، وأنّ اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك " « 1 » . فهنا ربط مباشر بالهدف أو بمقصد الخطاب ، وهو ( التعريض ) . وهكذا يتحوّل التقديم والتأخير من مظهر أسلوبي تركيبي إلى ظاهرة سياقية .
وينبّه الزمخشري بصراحة على هذا الربط بين ظاهرة التقديم والتأخير وسياق النصّ اللّغوي ومقصد الخطاب في تقديم وقوع القتل على الأمر بالذبح في الآية الكريمة
" وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها . . . .
" يتساءل : " فما الفائدة في ترجيح هذا النظم ؟ قلنا : إنّما قدمت قصّة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنّه لو عمل على عكسه لكانت قصّة واحدة ، ولو كانت قصّة واحدة لذهب الغرض من بنية التقريع " « 2 » . ولاحظ أنّه اعتبر أنّ عدم حصول هذا التقديم والتأخير الأسلوبي يعدّ سببا في ذهاب الغرض ، ولاحظ قوله " ترجيح النظم " وعلاقته بالاتّساق الداخلي للنصّ .
وفي تفسير الرازي للآية ( 137 ) من السورة الكريمة
( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ ، وَ . . . . . )
قال الرازي : " أما قوله "
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
" فإنّما قدمه لأنّ الإيمان باللّه أصل الإيمان بالشرائع فمن لا يعرف اللّه استحال أن يعرف نبيّا أو كتابا . . . " « 3 » . وذكر ابن الصائغ في الآية الكريمة "
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
" أنّ ذلك بسبب التولّي من الأعلى إلى الأدنى « 4 » . وهكذا يرتبط مباشرة بترتّب الوقائع في السياق المقامي ؛ فالسنة هي الأدنى والنوم هو الأعلى ، فمن تنزّه عن السنة وهي الومضة من النوم فمن باب أولى أن يتنزّه عن الأعلى وهو النوم كله .
هامش
( 1 ) الكشاف ، 1 / 57 .
( 2 ) نفسه ، 1 / 127 .
( 3 ) تفسير الرازي ، 4 / 83 .
( 4 ) الإتقان في علوم القرآن ، 2 / 31 .