وتعرّض الرازي كذلك إلى ما يعرف بالعطف السببي ، ومن ذلك ما ذكره عند تفسيره للآية ( 35 ) من سورة البقرة
" وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما . . . "
فقد عطف الأكل هنا على السكن بالواو ، بينما عطف الأكل في سورة الأعراف على الدخول بالفاء ، وقد دفعه هذا الفرق إلى صياغة قاعدة في العطف السببي وذلك قوله : " كلّ فعل عطف عليه شيء وكان الفعل بمنزلة الشرط ، وكان ذلك الشيء بمنزلة الجزاء ، عطف الثاني على الأوّل بالفاء دون الواو كقوله تعالى :
" وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا . . . . "
فكلوا ، فعطف كلوا على ادخلوا بالفاء لمّا كان وجود الأكل منها متعلقا بدخولها . . . . ، فالدخول موصل إلى الأكل والأكل متعلّق وجوده بوجوده ، في حين أنّ الأكل لا يختصّ وجوده بوجوده ( أي السكن ) . . . فلمّا لم يتعلّق الثاني بالأوّل تعلّق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء " « 1 » . ويستفاد من هذا أنّ الرازي يفرّق بين العطف السببي الذي يتمّ بالفاء ( وهو السببي حقا ) ، وبين العطف بالواو دون أن يكون سببا . فرغم أنّ الواقعة في السورتين معا هي هي إلّا أنّها في البقرة معطوفة بالواو ، وفي الأعراف بالفاء ، والذي رشّح الثاني للسببيّة هو ورود الفعل الثاني معطوفا بالفاء . وإذا كانت السببيّة هنا مقوّاة بتجاور الفعلين وترتّب أحدهما على الآخر ، فإنّ المثال الذي نقدّمه لابن عاشور ليس كذلك أثناء تفسيره للآية ( 79 )
" فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ "
يعلّق قائلا : " ( الفاء ) للترتيب والتسبّب فيكون ما بعدها مترتّبا على ما قبلها ، والظاهر أنّ ما بعدها مترتّب على قوله
" وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ "
« 2 » . الدال على وقوع تحريف منهم عن عمد فرتّب عليه الإخبار باستحقاقهم سوء الحالة " « 3 » . إنّ البنية الشكليّة للآيتين خالية من
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 4 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 75 ) .
( 3 ) ابن عاشور ، التحرير والتنوير ، 1 / 575 .