فيها من دابّة " « 1 » . أما الجائز فهو عطفه على قوله ( أحيا ) على معنى ( فأحيا بالمطر الأرض وبثّ فيها من كلّ دابّة ) لأنّهم ينمون بالخصب ويعيشون بالحياة ، والواقع أنّ العطفين معا جائزان لأنّ البنية المنطقيّة التي تحكمهما متماثلة ، وهي بنية السبب والنتيجة ، وهذا ما قصد إليه الزمخشري في تخريجه ذاك ، وخاصّة بين الفعلين " أنزل فأحيا " ولذا دخلت الفاء على ( أحيا ) ولم تدخل على ( بثّ ) فالإحياء نتيجة مترتّبة عن نزول الماء ، ويمكن أن تتقوّى هذه العلاقة السببيّة ، إذا اعتبرنا سلسلة النتائج التي ترتبّت عن إنزال الماء ، بين ( بثّ ) وأنزل عبر الوسيط ( أحيا ) لأنّه شرط ضروري لقيام الحياة على الأرض .
وفي الإطار نفسه نقدّم مثالا من تفسير الرازي لقوله تعالى :
" وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ "
« 2 » . يشير الرازي إلى أنّ ما عطف عليه " واتّخذوا " فيه ثلاثة أقوال الأوّل : أنّه عطف على قوله
" اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ "
. والثاني : أنّه عطف على قوله
" إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً "
وقال ( اتخذوا ) ، ويجوز أن يكون أمر به ولده إلا أنه تعالى أضمر قوله " وقال " . . .
والثالث : أنّ هذا أمر من اللّه تعالى لأمّة محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى ، وهو كلام اعتراض في خلال ذكر قصّة إبراهيم عليه السلام ، وكأنّ وجهه " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ( واتّخذوا ) أنتم من مقام إبراهيم مصلّى ، والتقدير أنّا لمّا شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للنّاس وأمنا ، فاتخذوه أنتم قبلة لأنفسكم " « 3 » .
ونلاحظ في الاحتمالات الثلاثة السابقة أنّ الأوّل منها هو المعتمد على ما ورد في آية
هامش
( 1 ) الكشاف ، 1 / 315 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 125 ) .
( 3 ) تفسير الرازي ، 4 / 52 .