تنبّه الرازي إلى أنّ اللّه تعالى قد ذكر لفظة يذبّحون بلا واو ، وفي سورة إبراهيم ذكره مع الواو ، ويقول في جواب ذلك : " والوجه فيه أنّه إذا جعل قوله
" يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ "
مفسّرا بقوله
" يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ "
لم يحتج إلى الواو ، وأمّا إذا جعل قوله
" يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ "
مفسّرا بسائر التكاليف الشاقّة سوى الذبح ، وجعل الذبح شيئا آخر سوى سوء العذاب احتيج فيه إلى الواو ، وفي الموضعين يحتمل الوجهين ، إلّا أنّ الفائدة التي يجوز أن تكون هي المقصودة من ذكر حرف العطف في سورة إبراهيم ، أن يقال إنّه تعالى قال قبل تلك الآية :
" وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ، وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ "
والتذكير بأيّام اللّه لا يحصل إلّا بتعديد نعم اللّه تعالى ، فوجب أن يكون نوعا من العذاب ، والمراد من قوله
" يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ "
نوعا من العذاب ، والمراد من قوله
" يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ "
نوعا آخر ؛ ليكون التّخلص منهما نوعين من النعمة فلهذا وجب ذكر العطف هناك ، وأمّا في هذه الآية لم يرد الأمر إلّا بتذكير جنس النعمة ، وهي قوله " اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ، فسواء كان المراد من سوء العذاب هو الذبح أو غيره كان تذكير جنس النعمة حاصلا فظهر الفرق " « 1 » .
وقال الرازي في تفسيره لقوله تعالى :
" اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ "
« 2 » . متسائلا " كيف ابتدأ قوله
" اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ "
ولم يعطف على الكلام الذي قبله ؟ " ثم يقول : " الجواب هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة ، وفيه أنّ اللّه تعالى هو الذي يستهزئ بهم استهزاء العظيم الذي يصير استهزاؤهم في مقابلته كالعدم ، وفيه أيضا أنّ اللّه هو الذي يتولّى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين ، ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله " « 3 » . فها هنا توقّف عند أهميّة التفريق بين معنى العطف والاستئناف ودلالة ذلك في مقصديّة النصّ وأثره .
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 1 / 68 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 15 ) .
( 3 ) تفسير الرازي ، 1 / 70 .