تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
قلت للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة ، فكرّمت أباكم آدم بما آتيته من علمي وفضلي وكرامتي ، وإذ أسجدت له ملائكتي فسجدوا له . . . . ثم . . . " . ويمكن أن نقدّم مثالا آخر لعطف القصّة على القصّة لدى ابن عاشور من أجل إبراز تتبّعه لهذا النوع من العطف واهتمامه به في تفسيره للآية ( 34 ) التي سبق ذكرها فهو يذهب إلى أنّ هذه الآية معطوفة على آية تفصلها عنها ثلاث آيات ، وهي قوله تعالى :
" وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً . . . "
قال : " وإعادة ( إذ ) بعد حرف العطف المغني عن إعادة ظرفه تنبيه على أنّ الجملة مقصودة بذاتها لأنّها متميّزة بهذه القصّة العجيبة فجاءت على أسلوب يؤذن بالاستقلال والاهتمام ، ولأجل هذه المراعاة لم يؤت بهذه القصّة معطوفة بفاء التفريع " « 1 » . فالذي سوّغ العطف رغم كون القصتين مستقلّتين هو أنّ الطرفين اللذين تمحور حولهما الخطاب متماثلان " الملائكة وآدم . ففي القصّة الأولى إظهار لعلوّ درجته عند اللّه بعد احتجاج الملائكة على استخلافه في الأرض ، وفي الثانية تزكية لسمّو درجته عنده تعالى ممّا استوجب سجود الملائكة له بأمر منه تعالى لكنّ إبليس رفض السجود فالقصّتان مشتركتان معا في : - وحدة المخاطب - الاحتجاج / التسليم بأمر اللّه . - الاحتجاج / التسليم / العصيان ورغم أنّ ابن عاشور لم يفصّل قوله على هذا النحو ، إلّا أنّ العطف هنا ( عطف قصة على قصة ) يضمر هذا الذي أشرنا إليه . ومن أمثلته كذلك اهتمام الزمخشري بالعطف الداخلي بين الجمل ومعاني حروف العطف في سياقاتها المختلفة ، فحين يفسّر الزمخشري الآيات ( 53 ، 54 ) " وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنّه هو التوّاب الرحيم " يتساءل
هامش
( 1 ) ابن عاشور ، التحرير والتنوير ، 1 / 336 .