وبلدة لا ترام خائفة * زوراء مغبّرة جوانبها [ 1 ]
تسمع للجنّ عازفين بها * تصيح من رهبة ثعالبها [ 2 ]
كلّفتها عرمسا عذافرة * ذات هباب فعما مناكبها [ 3 ]
تراقب المحصد الممرّ إذا * هاجرة لم تقل جنادبها [ 4 ]
والذي عندي أنّ زهيرا قد وصف الثّعلب بشدّة القلب ، لأنهم إذا هوّلوا بذكر الظّلمة الوحشيّة والغيلان ، لم يذكروا إلّا فزع من لا يكاد يفزع ، لأنّ الشاعر قد وصف نفسه بالجراءة على قطع هذه الأرض في هذه الحال .
وفي استنذاله وجبنه قالت أمّ سالم لابنها معمر : [ من الطويل ]
أرى معمرا لا زيّن اللّه معمرا * ولا زانه من زائر يتقرّب
أعاديتنا عاداك عزّ وذلّة * كأنك في السّربال إذ جئت ثعلب
فلم تر عيني زائرا مثل معمر * أحقّ بأن يجنى عليه ويضرب
وقال عقيل بن علفة : [ من الطويل ]
تأمّل لما قد نال أمّك هجرس * فإنّك عبد يا زميل ذليل
وإني متى أضربك بالسّيف ضربة * أصبّح بني عمرو وأنت قتيل
الهجرس : ولد الثّعلب . قال : وكيف يصطاد وهو على هذه الصّفة ؟
فأنشد شعر ابن ميّادة [ 5 ] : [ من الطويل ]
ألم تر أنّ الوحش يخدع مرّة * ويخدع أحيانا فيصطاد نورها
بلى ، وضواري الصّيد تخفق مرّة * وإن فرهت عقبانها ونسورها [ 6 ]
هامش
[ 1 ] في ديوانه : « لا ترام : لا يقدر عليها . خائفة : ذات خوف ، كقولك : عيشة راضية : ذات رضا .
زوراء : ليس طريقها بمستقيم ، ولا هي على القصد . مغبرة : من الجدب . جوانبها : نواحيها » .
[ 2 ] في ديوانه : « أي : تسمع لهم مثل العزف ، أي : صوت المزمار والطبل من بعيد » .
[ 3 ] في ديوانه : « عذافرة : ضخمة شديدة الخلق . عرمسا : ناقة شديدة . ذات هباب : أي ذات نشاط .
فعما : ممتلئا . يريد ضخمة المناكب » .
[ 4 ] في ديوانه : « تراقب : ترقب السوط بشق عينها ، من الخوف أن تضرب به . المحصد : الشديد الفتل ، يعني السوط . الممر : المفتول . لم تقل : من القائلة ، يريد من شدة الحر ، والجندب هو راجل الجراد الذي ليس له جناحان يطير بهما » .
[ 5 ] ديوان ابن ميادة 129 .
[ 6 ] النور : جمع نوار ، وهي النّفر من الظباء والوحوش وغيرها .