وهذا يدلّ على أنّ صرع الشّيطان للإنسان ليس هو عند العوامّ إلّا على جهة ما يعرفون من الجماع .
ومن هذا الضّرب من الحديث ما حدّثنا به المازنيّ ، قال : ابتاع فتى صلف بذّاخ [ 1 ] جارية حسناء بديعة ظريفة ، فلمّا وقع عليها قال لها مرارا ويلك . ما أوسع حرك ! فلمّا أكثر عليها قالت : أنت الفداء لمن كان يملؤه .
فقد سمع هذا كما ترى من المكروه مثل ما سمع الأوّل .
وزعموا أنّ رجلا نظر إلى امرأة حسناء ظريفة ، فالحّ عليها ، فقالت : ما تنظر ؟
قرّة عينك ، وشيء غيرك ! وزعم أبو الحسن المدائني أن رجلا تبع جارية لقوم . فراوغته فلم ينقطع عنها ، فحثّت في المشي فلم ينقطع عنها ، فلمّا جازت بمجلس قوم قالت : يا هؤلاء ، لي طريق ولهذا طريق ، ومولاي ينيكني ؛ فسلوا هذا ما يريد مني ؟
وزعم أيضا أن سيارا البرقيّ قال : مرّت بنا جارية ، فرأينا فيها الكبر والتجبّر ، فقال بعضنا : ينبغي أن يكون مولى هذه الجارية ينيكها ! قالت : كما يكون ! فلم أسمع بكلمة عامّية أشنع ولا أدلّ على ما أرادت ، ولا أقصر من كلمتها هذه .
وقد قال جحشويه في شعر شبيها بهذا القول ، حيث يقول : [ من الوافر ]
تواعدني لتنكحني ثلاثا * ولكن يا مشوم بأيّ أير
فلو خطبت في صفة أير خطبة أطول من خطبة قيس بن خارجة بن سنان في شأن الحمالة - لما بلغ مبلغ قول جحشويه : « ولكن يا مشوم بأيّ أير » ، وقول الخادم :
« كما يكون » .
وزعموا [ 2 ] أن فتى جلس إلى أعرابيّة ، وعلمت أنّه إنما جلس لينظر إلى محاسن ابنتها ، فضربت بيدها على جنبها ، ثم قالت : [ من الوافر ]
علنداة يئطّ الأير فيها * أطيط الغرز في الرّحل الجديد [ 3 ]
ثم أقبلت على الفتى فقالت : [ من الطويل ]
وما لك من غير أنّك ناكح * بعينيك عينيها فهل ذاك نافع
هامش
[ 1 ] الصّلف : الغلو في الظرف والتكبر . البذاخ : المتكبر الفخور .
[ 2 ] الخبر مع الشعر في عيون الأخبار 4 / 101 ، وأخبار النساء 162 ، وربيع الأبرار 3 / 162 .
[ 3 ] علنداة : عظيمة طويلة . يئط : يصوت . الغرز : هو للناقة مثل الحزام للفرس .