وقال [ 1 ] : [ من الطويل ]
أخو قفرات حالف الجنّ وانتفى * من الإنس حتّى قد تقضّت وسائله
له نسب الإنسيّ يعرف نجله * وللجنّ منه خلقه وشمائله
وممّا زادهم في هذا الباب ، وأغراهم به ، ومدّ لهم فيه ، أنهم ليس يلقون بهذه الأشعار وبهذه الأخبار إلا أعرابيّا مثلهم ، وإلا عامّيّا لم يأخذ نفسه قط بتمييز ما يستوجب التّكذيب والتّصديق ، أو الشّكّ ، ولم يسلك سبيل التوقف والتثبّت في هذه الأجناس قطّ . وإمّا أن يلقوا راوية شعر ، أو صاحب خبر ، فالرّاوية كلّما كان الأعرابيّ أكذب في شعره كان أطرف عنده ، وصارت روايته أغلب ، ومضاحيك حديثه أكثر فلذلك صار بعضهم يدّعي رؤية الغول ، أو قتلها ، أو مرافقتها ، أو تزويجها ؛ وآخر يزعم أنّه رافق في مفازة نمرا . فكان يطاعمه ويؤاكله ، فمن هؤلاء خاصّة القتّال الكلابي ؛ فإنّه الذي يقول [ 2 ] : [ من الطويل ]
أيرسل مروان الأمير رسالة * لآتيه إني إذا لمصلّل [ 3 ]
وما بي عصيان ولا بعد منزل * ولكنّني من خوف مروان أوجل
وفي باحة العنقاء أو في عماية * أو الأدمى من رهبة الموت موئل [ 4 ]
ولي صاحب في الغار هدّك صاحبا * هو الجون إلّا أنه لا يعلّل
إذا ما التقينا كان جلّ حديثنا * صمات وطرف كالمعابل أطحل [ 5 ]
تضمّنت الأروى لنا بطعامنا * كلانا له منها نصيب ومأكل [ 6 ]
فأغلبه في صنعة الزّاد إنّني * أميط الأذى عنه ولا يتأمّل
وكانت لنا قلت بأرض مضلّة * شريعتنا لأيّنا جاء أوّل [ 7 ]
كلانا عدوّ لو يرى في عدوّه * محزّا وكلّ في العداوة مجمل [ 8 ]
هامش
[ 1 ] البيتان في أشعار اللصوص 225 - 226 ، وتقدما ص 439 .
[ 2 ] ديوان القتال الكلابي 77 ، وأشعار اللصوص 525 - 526 .
[ 3 ] مروان هو الخليفة مروان بن الحكم .
[ 4 ] الباحة : الساحة . العنقاء وعماية والأدمى : مواضع . موئل : منجى .
[ 5 ] الصمات : الصمت . المعابل : جمع معبلة ؛ وهي النصل الطويل العريض . الأطحل : ما لونه الطلحة ، وهو لون بين الغبرة والبياض .
[ 6 ] الأروى : الأنثى من الوعول .
[ 7 ] القلت : النقرة في الجبل تمسك الماء .
[ 8 ] المجمل : المتئد المعتدل لا يفرط .