قلت يا سودة ، هذا والذي * يفرج الكربة منّا والكلح
هو زين لي في الوجه كما * زيّن الطّرف تحاسين القرح [ 1 ]
وزعم أبو نواس أنهم كانوا يتبركون به ، وأن جذيمة الوضّاح كان يفخر بذلك .
وزعم أصحابنا أن بلعاء بن قيس ، لمّا شاع في جلده البرص قال له قائل : ما هذا يا بلعاء ؟ فقال : « هذا سيف اللّه جلاه ! » . وكنانة تقول : « سيف اللّه حلاه » [ 2 ] .
ثم رجع الحديث إلى أبي العطّاف وضحكه . قال [ 3 ] : وأما اليوم الآخر فإنّ عمرا لمّا ذهب بصره ، ودخل عليه الناس يعزّونه ، دخل عليه إبراهيم بن جامع ، وهو أبو عتّاب من آل أبي مصاد ، وكان كالجمل المحجوم ، فقام بين يدي عمرو فقال : يا أبا أسيّد لا تجزعنّ من ذهاب عينيك وإن كانتا كريمتيك ؛ فإنك لو رأيت ثوابهما في ميزانك تمنيت أن يكون اللّه عزّ وجلّ قد قطع يديك ورجليك ، ودقّ ظهرك ، وأدمى ضلعك .
قال : فصاح به القوم وضحك بعضهم . فقال عمرو : معناه صحيح ، ونيته حسنة ، وإن كان قد أخطأ في اللفظ [ 4 ] .
1337 - [ بين الجاحظ وأبي عتاب ]
وقلت لأبي عتّاب : بلغني أن عبد العزيز الغزّال قال : ليت أن اللّه لم يكن خلقني ، وأني الساعة أعور . قال أبو عتّاب : بئس ما قال ؛ وددت واللّه أن اللّه لم يكن خلقني وأنّي الساعة أعمى مقطوع اليدين والرّجلين .
وأتى بعض الشعراء أبا الواسع وبنوه حوله ، فاستعفاه أبو الواسع من إنشاد مديحه ، فلم يزل به حتى أذن له . فلما انتهى إلى قوله : [ من البسيط ]
فكيف تنفى وأنت اليوم رأسهم * وحولك الغرّ من أبنائك الصّيد
قال أبو الواسع : ليتك تركتهم رأسا برأس !
هامش
[ 1 ] الطرف : الجواد الكريم العتيق . القرح : بياض يسير في وجه الفرس .
[ 2 ] انظر هذا القول في البرصان 32 ، والأغاني 13 / 91 وعيون الأخبار 4 / 63 ، والمعارف 580 ، والكنايات للثعالبي 35 ، وربيع الأبرار 5 / 115 .
[ 3 ] الخبر في البيان 2 / 317 - 318 ، والبرصان 34 ، وعيون الأخبار 2 / 48 ، وربيع الأبرار 5 / 115 .
[ 4 ] في البرصان 34 : « فقال - عمرو - يرعى له حسن نيته ويلغى سوء لفظه » .