وكأنّ ملقاه بكلّ تنوفة * ملقاك كفّة منخل مأطور [ 1 ]
وكأنّ شدقيه إذا استعرضته * شدقا عجوز مضمضت لطهور
فقد زعمت [ 2 ] كما ترى أنها تدير عينا ، وزعم الأوّل أنها قائمة العين [ 3 ] . إلّا أن تزعم أنها لم ترد بالإدارة أن مقلتها تزول عن موضعها ، ولكنّها أرادت أنّها جوّالة في إدراك الأشخاص ، البعيدة والقريبة ، والمتيامنة والمتياسرة وقد يجوز أن يكون إنّما جعلها سميعة لدقّة الحسّ ، وكثرة الاكتراث وجودة الشمّ ، لا جودة السّمع ؛ فإنّ الذين زعموا أنّ النّعامة صمّاء زعموا أنّها تدرك من جهة الشمّ والعين ، جميع الأمور التي كانت تعرفها من قبل السّمع لو كانت سميعة . وقد قال الشاعر في صفة الحيّة [ 4 ] : [ من البسيط ]
تهوي إلى الصّوت والظلماء عاكفة * تعرّد السّيل لاقى الحيد فاطّلعا [ 5 ]
هذا بعد أن قال :
إني وما تبتغي منّي كملتمس * صيدا وما نال منه الرّيّ والشّبعا
أهوى إلى باب جحر في مقدّمه * مثل العسيب ترى في رأسه نزعا
اللّون أربد والأنياب شابكة * عصل ترى السمّ يجري بينها قطعا [ 6 ]
أصم ما شمّ من خضراء أيبسها * أو شمّ من حجر أوهاه فانصدعا
فقد جعل لها أنيابا عصلا ، ووصفها بغاية الخبث ، وزعم أنها تسمع . فهؤلاء ثلاثة شعراء .
1092 - [ الثقة بالعلماء ]
فإن قلت : إنّ المولّد لا يؤمن عليه الخطأ ، إذ كان دخيلا في ذلك الأمر ، وليس كالأعرابيّ الذي إنما يحكي الموجود الظاهر له ، الذي عليه نشأ ، وبمعرفته غذي .
هامش
[ 1 ] التنوفة : الأرض المتباعدة الأطراف . ( القاموس : تنف ) . كفة النخل : إطاره . ( القاموس : كفف ) .
[ 2 ] يقصد الشاعرة قائلة الأبيات .
[ 3 ] أي الراعي النميري في البيت الذي تقدم قبل قليل .
[ 4 ] الأبيات للزماني في يحيى بن أبي حفصة وهي في الوحشيات 86 ، وسيذكرها الجاحظ مرة أخرى .
انظر الفقرة ( 1150 ) . ص : 398 .
[ 5 ] عرد فلان : ترك الطريق . ( القاموس : عرد ) . الحيد : ما شخص من الجبل . ( القاموس : حيد ) .
[ 6 ] عصل : جمع أعصل ، وهو الأعوج . ( القاموس : عصل ) .