تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
منه وأخبث . وقد قال الشاعر للأسديّ الذي ليم بأكل لحم الكلب [ 1 ] : [ من الرجز ]
يا فقعسيّ لم أكلته لمه * لو خافك اللّه عليه حرّمه فما أكلت لحمه ولا دمه
وليس يريد بقوله : « لو خافك اللّه عليه » أنّ اللّه يخافه على شيء أو يخافه من شيء . ولكنّه لمّا كان الكلب عنده مما لا يأكله أحد ولا يخاف على أكله إلّا المضطرّ ، جعل بدل قوله : أمن الكلب على أكل لحمه ، أنّ اللّه هو الذي لم يخف ذلك فيحرّمه . وهذا ممّا لا تقف الأعراب عليه ، ولا تتّبع الوهم مواضعه ؛ لأنّ هذا باب يدخل في باب الدّين ، فيما يعرف بالنّظر .

977 - [ أكل لحوم بعض الحيوانات ]

وقد يأكل أجراء الكلاب ناس ، ويستطيبونها فيما يزعمون . ويقولون : إنّ جرو الكلب أسمن شيء صغيرا ، فإذا شبّ استحال لحمه ، كأنّه يشبّه بفرخ الحمام ما دام فرخا وناهضا ، إلى أن يستحكم ويشتدّ . وما أكثر من يأكل السّنانير . والذين يأكلونها صنفان من الناس : أحدهما الفتى المغرور ، الذي يقال له أنت مسحور ، ويقال له : من أكل سنّورا أسود بهيما لم يعمل فيه السحر ، فيأكله لذلك . فإذا أكله لهذه العلّة ، وقد غسل ذلك وعصره ، أذهب الماء زهومته ، ولم يكن ذلك المخدوع بمستقذر ما استطابه . ولعلّه أيضا أن يكون عليه ضرب من الطّعام فوق الذي هو فيه ، فإذا أكله على هذا الشّرط ، ودبّر هذا التدبير ، ولم ينكره ، عاوده . فإذا عاوده صار ذلك ضراوة له . والصّنف الآخر أصحاب الحمام ؛ فما أكثر ما ينصبون المصائد للسّنانير ، التي يلقّون منها في حمامهم . وربّما صادف غيظ أحدهم وحنقه وغضبه عليه ، أن يكون السّنّور مفرط السّمن ، فيدع قتله ويذبحه . فإذا فعل ذلك مرّة أو مرتين ، صار ضراوة عليها . وقد يتقزّز الرّجل من أكل الضّبّ والورل والأرنب ، فما هو إلّا أن يأكله مرّة لبعض التّجربة ، أو لبعض الحاجة ، حتى صار ذلك سببا إلى أكلها ، حتى يصير بهم الحال إلى أن يصيروا أرغب فيها من أهلها . وهاهنا قوم لا يأكلون الجراد الأعرابيّ السمين ، ونحن لا نعرف طعاما أطيب منه . والأعراب إنّما يأكلون الحيّات على شبيه بهذا الترتيب ولهذه العوارض .
هامش
[ 1 ] الرجز في اللسان ( روح ، لوم ) ، والبخلاء 234 ، والمخصص 3 / 4 ، والمقاصد النحوية 4 / 555 .