وقال تعالى :
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
[ 1 ] فكان في ذلك دليل على ذمّ طباعه ، والإخبار عن تسرّعه وبذائه . وعن جهله في تدبيره ، وتركه وأخذه . ولم يقل إني مسخت أحدا من أعدائي كلبا .
وذكر الذّرّة فقال :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[ 2 ] فكان ذلك دليلا على أنّه من الغايات في الصّغر والقلّة ، وفي خفّة الوزن وقلة الرجحان . ولم يذكر أنّه مسخ أحدا من أعدائه ذرّة .
وذكر الحمار فقال :
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ 3 ] فجعله مثلا في الجهل والغفلة ، وفي قلّة المعرفة وغلظ الطّبيعة . ولم يقل إنّي مسخت أحدا من أعدائي حمارا . وكذلك جميع ما خلق وذكر من أصناف الحيوان بالذّمّ والحمد .
فأمّا غير ذلك ممّا ذكر من أصناف الحيوان ، فإنّه لم يذكره بذمّ ولا نقص ، بل قد ذكر أكثرهنّ بالأمور المحمودة ، حتّى صار إلى ذكر القرد فقال :
وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ
[ 4 ] فلم يكن لهما في قلوب النّاس حال . ولو لم يكن جعل لهما في صدور العامّة والخاصّة من القبح والتّشويه ، ونذالة النّفس ، ما لم يجعله لشيء غيرهما من الحيوان ، لما خصّهما اللّه تعالى بذلك .
وقد علمنا أنّ العقرب أشدّ عداوة وأذى ، وأفسد ، وأنّ الأفعى والثّعبان وعامّة الأحناش ، أبغض إليهم وأقتل لهم ، وأنّ الأسد أشدّ صولة ، وأنّهم عن دفعهم له أعجز ، وبغضهم له على حسب قوّته عليهم ، وعجزهم عنه ، وعلى حسب سوء أثره فيهم .
ولم نره تعالى مسخ أحدا من أعدائه على صورة شيء من هذه الأصناف .
ولو كان الاستنذال والاستثقال والاستسقاط أراد ، لكان المسخ على صورة بنات وردان أولى وأحقّ . ولو كان التّحقير والتّصغير أراد ، لكانت الصّؤابة والجرجسة أولى بذلك . ولو كان إلى الاستصغار ذهب لكان الذّرّ والقمل والذّباب أولى بذلك .
والدّليل على قولنا قوله تبارك وتعالى :
إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ . طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
[ 5 ] وليس أن النّاس رأوا شيطانا قطّ على صورة ، ولكن
هامش
[ 1 ] 176 / الأعراف : 7 .
[ 2 ] 7 - 8 / الزلزلة : 99 ، وانظر التعليق نفسه في ثمار القلوب ( 645 ) .
[ 3 ] 5 / الجمعة : 62 .
[ 4 ] 60 / المائدة : 5 .
[ 5 ] 64 - 65 / الصافات : 37 ، وانظر التعليق نفسه في ثمار القلوب ( 157 ) .