تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
أنصاف حبّ الكزبرة ينبت من بين جميع الحبوب . فهي على هذا الوجه مجاوزة لفطنة جميع الحيوان ، حتّى ربّما كانت في ذلك أحزم من كثير من الناس . ولها ، مع لطافة شخصها وخفّة وزنها ، وفي الشمّ والاسترواح ما ليس لشيء . وربّما أكل الإنسان الجراد أو بعض ما يشبه الجراد ، فتسقط من يده الواحدة أو صدر الواحدة ، وليس يرى بقربه ذرّة ولا له بالذّرّ عهد في ذلك المنزل ، فلا يلبث أن تقبل ذرّة قاصدة إلى تلك الجرادة ، فترومها وتحاول قلبها ونقلها ، وسحبها وجرّها ، فإذا أعجزتها بعد أن بلغت عذرا ، مضت إلى جحرها راجعة ، فلا يلبث ذلك الإنسان أن يراها قد أقبلت ، وخلفها صويحباتها كالخيط الأسود الممدود ، حتى يتعاونّ عليها فيحملنها . فأوّل ذلك صدق الشّمّ لما لا يشمّه الإنسان الجائع . ثمّ بعد الهمّة ، والجراءة على محاولة نقل شيء في وزن جسمها مائة مرّة ، وأكثر من مائة مرّة . وليس شيء من الحيوان يقوى على حمل ما يكون ضعف وزنه مرارا غيرها . وعلى أنها لا ترضى بأضعاف الأضعاف ، إلّا بعد انقطاع الأنفاس .

946 - [ كلام النمل ]

فإن قلت : وما علّم الرّجل أنّ الّتي حاولت نقل الجرادة فعجزت ، هي التي أخبرت صويحباتها من الذّرّ ، وأنها كانت على مقدّمتهن ؟ قلنا : لطول التّجربة ، ولأنّا لم نر ذرّة قط حاولت نقل جرادة فعجزت عنها ، ثمّ رأيناها راجعة ، إلّا رأينا معها مثل ذلك ، وإن كنّا لا نفصل في العين بينها وبين أخواتها ، فإنّه ليس يقع في القلب غير الذي قلنا . وعلى أنّنا لم نر ذرّة قطّ حملت شيئا أو مضت إلى جحرها فارغة ، فتلقاها ذرّة ، إلّا واقفتها ساعة وخبّرتها بشيء . فدلّ ذلك على أنّها في رجوعها عن الجرادة ، إنّما كانت لأشباهها كالرّائد لا يكذب أهله [ 1 ] . ومن العجب أنّك تنكر أنّها توحي إلى أختها بشيء ، والقرآن قد نطق بما هو أكثر من ذلك أضعافا . وقال رؤبة بن العجّاج [ 2 ] : [ من الرجز ]
لو كنت علّمت كلام الحكل * علم سليمان كلام النّمل [ 3 ]
هامش
[ 1 ] في مجمع الأمثال 2 / 233 ، وجمهرة الأمثال 1 / 474 : « الرائد لا يكذب أهله » . [ 2 ] ديوان رؤبة 131 ، واللسان والتاج ( حكل ، فطحل ) ، والجمهرة 562 ، والتهذيب 4 / 101 ، والمجمل 2 / 94 ، وبلا نسبة في المخصص 2 / 122 ، والمقاييس 2 / 91 ، وديوان الأدب 1 / 158 . [ 3 ] الحكل : ما لا يسمع له صوت كالذر والنمل . « اللسان : حكل » .