قال : فبات القوم يتوقّعون نزول الملك ، ويلاحظون السّماء ، وأبطأ عنهم حتّى قام جلّ أهل اليمامة ؛ وأطنبت الرّيح [ 1 ] وقويت ، فأرسلها ، وهم لا يرون الخيوط ، واللّيل لا يبين عن صورة الرّقّ ، وعن دقّة الكاغد . وقد توهّموا قبل ذلك الملائكة .
فلمّا سمعوا ذلك ورأوه تصارخوا وصاح : من صرف بصره ودخل بيته فهو آمن ! فأصبح القوم وقد أطبقوا على نصرته والدّفع عنه . فهو قوله [ 2 ] : [ من الطويل ]
ببيضة قارور وراية شادن * وتوصيل مقصوص من الطير جادف
فقلت لسهم : يكون مثل هذا الأمر العجيب ، فلا يقول فيه شاعر ، ولا يشيع به خبر ؟ ! قال : أو كلما كان في الأرض عجب ، أو شيء غريب ، فقد وجب أن يشيع ذكره ، ويقال فيه الشّعر ، ويجعل زمانه تاريخا ! ألسنا معشر العرب نزعم أنّ كسرى أبرويز ، وهو من أحرار فارس ، من الملوك الأعاظم ، وسليل ملوك ، وأبو ملوك ، مع حزمه ورأيه وكماله ، خطب إلى النّعمان بن المنذر ، وإلى رجل يرضى أن تكون امرأته ظئرا لبعض ولد كسرى ، وهو عامله ، ويسمّيه كسرى عبدا ، وهو مع ذلك أحيمر أقيشر ، إمّا من أشلاء قصيّ بن معد ، وإما من عرض لخم . وهو الذي قالوا : تزوّج مومسة - وهي الفاجرة ؛ ولا يقال لها مومسة إلّا وهي بذلك مشهورة - وعرفها بذلك ، وأقام عليها ، وهجي بها ولم يحفل بهجائهم . وممّا زاد في شهرتها قصّة المرقش . وناكها قرّة بن هبيرة حين سباها . فعلم بذلك وأقام عليها ، ثمّ لم يرض حتّى قال لها : هل مسّك ؟ قالت : وأنت واللّه لو قدر عليك لمسّك ! فلم يرض بها حتى قال لها : صفيه لي . فوصفته حتّى قالت : كأنّ شعر خدّيه حلق الدّرع ! وبال على رأسه خلف ابن نوالة الكناني عام حجّ ، ونصّره عديّ بن بأحمق سبب [ 3 ] . وخطب أخوه المنذر إلى عبيدة بن همام ، فردّه أقبح الرّدّ ، وقال [ 4 ] : [ من المتقارب ]
هامش
[ 1 ] أطنبت الريح : اشتدت .
[ 2 ] تقدم البيت في بداية هذه الفقرة .
[ 3 ] نصّره : أدخله في النصرانية ، وكان سبب تنصّر النعمان - وكان يعبد الأوثان قبل ذلك - أنه مر على المقابر ومعه عدي بن زيد الذي قال له إن هذه المقابر تقول :كنا كما كنتم فغيّرنا دهر * فسوق كما صرنا تصيرونافدخلته رقة ، وخرجا مرة أخرى ، ومرّا على المقابر فأنشده عدي أبياتا أخرى فرجع النعمان وتنصر ، انظر تفصيل الخبر في الأغاني 2 / 134 - 135 .
[ 4 ] البيتان للأسود بن يعفر في ديوانه 67 ، واللسان والتاج ( نكر ) ، والأول في التنبيه والإيضاح 2 / 218 ، والبيتان بلا نسبة في الكامل 920 ، 1077 ( الدالي ) ، والأول في المخصص 17 / 12 ، وديوان الأدب 1 / 261 ، 3 / 435 ، والعين 8 / 137 .