86 - [ خصاء الروم ]
ومن أهل الملل من يخصي ابنه ويقفه على بيت العبادة ، ويجعله سادنا ، كصنيع الرّوم ، إلا أنهم لا يحدثون في القضيب حدثا ، ولا يتعرضون إلا للأنثيين ، كأنهم إنما كرهوا لأولادهم إحبال نسائهم ورواهبهم فقط ! ! فأما قضاء الوطر وبلوغ اللذة ، فقد زعموا أنهم يبلغون من ذلك مبلغا لا يبلغه الفحل ، كأنهم يزعمون أنه يستقصي جميع ما عندها ويستجلبه ، لفرط قوّته على المطاولة .
وكلّ خصاء في الدنيا فإنما أصله من قبل الروم ، ومن العجب أنهم نصارى ، وهم يدّعون من الرأفة والرحمة ، ورقّة القلب والكبد ، ما لا يدّعيه أحد من جميع الأصناف ، وحسبك بالخصاء مثلة ! وحسبك بصنيع الخاصي قسوة ! ولا جرم أنهم بعثوا على أنفسهم من الخصيان ، من طلب الطوائل وتذكّر الأحقاد ، ما لم يظنّوه عندهم ، ولا خافوه من قبلهم ، فلا هم ينزعون ، ولا الخصيان ينكلون ، لأنّ الرّماية فيهم فاشية ، وإن كان الخصيّ أسوارا « 1 » بلغ منهم ، وإن كان جمع مع الرماية الثّروة ، واتخذ بطرسوس ، وأذنة الضّياع واصطنع الرجال ، واتخذ العقد « 2 » المغلّة فمضرّة كلّ واحد منهم عليهم ، تفي بمضرّة قائد ضخم . ولم تر عداوة قطّ تجوز مقدار عداوتهم لهم ، وهذا يدلّ على مقدار فرط الرّغبة في النساء ، وعلى شهوة شديدة للمباضعة ، وعلى أنهم قد عرفوا مقدار ما فقدوا ، وهذه خصلة كريمة مع طلب المثوبة ، وحسن الأحدوثة .
87 - [ خصاء الصابئة ]
فأما الصابئون ، فإنّ العابد منهم ربّما خصى نفسه . فهو في هذا الموضع قد تقدم الروميّ ، فيما أظهر من حسن النيّة ، وانتحل من الديانة والعبادة ، بخصاء الولد التامّ ، وبإدخاله النقص على النّسل ، كما فعل ذلك أبو المبارك الصابي . وما زال خلفاؤنا وملوكنا يبعثون إليه ، ويسمعون منه ، ويسمر عندهم ، للّذي يجدونه عنده من الفهم والإفهام ، وطرف الأخبار ، ونوادر الكتب ، وكان قد أربى على المائة ، ولم أسمع قطّ بأغزل منه ، وإن كان يصدق عن نفسه فما في الأرض أزنى منه .
هامش
( 1 ) الأسوار : بالضم وبالكسر : قائد الفرس ، وقيل : الجيد الرمي بالسهام ، وقيل : هو الجيد الثبات على ظهر الفرس ، أو هو : الفارس من فرسان الفرس المقاتل . اللسان ( سور 4 / 388 ) .
( 2 ) العقد : جمع عقدة ، وهي الضيعة .