تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
تمثيل ما بين خصال الدّرّة والحمامة ، والفيل والبعير ، والثّعلب والذيب أعجب ، ولسنا نعني أنّ للدّرّة ما للطاوس من حسن ذلك الريش وتلاوينه وتعاريجه ، ولا أنّ لها غناء الفرس في الحرب والدّفع عن الحريم ؛ لكنّا إذا أردنا مواضع التدبير العجيب من الخلق الخسيس ، والحسّ اللطيف من الشيء السخيف ، والنّظر في العواقب من الخلق الخارج من حدود الإنس والجنّ والملائكة ، لم نذهب إلى ضخم البدن وعظم الحجم ، ولا إلى المنظر الحسن ولا إلى كثرة الثمن . وفي القرد أعاجيب وفي الدّبّ أعاجيب ، وليس فيهما كبير مرفق إلّا بقدر ما تتكسّب به أصحاب القردة ، وإنما قصدنا إلى شيئين يشيع القول فيهما ، ويكثر الاعتبار ممّا يستخرج العلماء من خفيّ أمرهما . ولو جمعنا بين الدّيك وبين بعض ما ذكرت ، وبين الكلب وبين بعض ما وصفت ، لانقطع القول قبل أن يبلغ حدّ الموازنة والمقابلة . وقد ذكرت أنّ بعض ما دعاك إلى الإنكار عليهما والتعجّب من أمرهما ، سقوط قدر الكلب ونذالته ، وبله الدّيك وغباوته ، وأنّ الكلب لا بهيمة تامّة ولا سبع تامّ ، وما كان ليخرجه من شيء من حدود الكلاب إلى حدود الناس ، مقدار ما هو عليه من الأنس بهم ، فقد يكون في الشيء بعض الشبه من شيء ولا يكون ذلك مخرجا لهما من أحكامهما وحدودهما .

169 - [ تشبيه الإنسان بالقمر والشمس ونحوهما ]

وقد يشبّه الشعراء والعلماء والبلغاء الإنسان بالقمر والشمس ، والغيث والبحر ، وبالأسد والسيف ، وبالحيّة وبالنّجم ، ولا يخرجونه بهذه المعاني إلى حدّ الإنسان . وإذا ذمّوا قالوا : هو الكلب والخنزير ، وهو القرد والحمار ، وهو الثور ، وهو التّيس ، وهو الذيب ، وهو العقرب ، وهو الجعل ، وهو القرنبى ؛ ثم لا يدخلون هذه الأشياء في حدود الناس ولا أسمائهم ، ولا يخرجون بذلك الإنسان إلى هذه الحدود وهذه الأسماء . وسمّوا الجارية غزالا ، وسمّوها أيضا خشفا ، ومهرة ، وفاختة ، وحمامة ، وزهرة ، وقضيبا ، وخيزرانا ، على ذلك المعنى . وصنعوا مثل ذلك بالبروج والكواكب ، فذكروا الأسد والثور ، والحمل والجدي ، والعقرب والحوت ، وسمّوها بالقوس والسّنبلة والميزان ، وغيرها . وقال في ذلك ابن عسلة الشيبانيّ : [ من الكامل ]
فصحوت والنّمريّ يحسبها * عمّ السّماك وخالة النّجم
ويروى عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « نعمت العمة لكم النّخلة خلقت من فضلة