تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
وأين تقع لذّة البهيمة بالعلوفة ، ولذّة السبع بلطع الدّم وأكل اللحم - من سرور الظّفر بالأعداء ؛ ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان القرع ؟ وأين ذلك من سرور السّودد ومن عزّ الرئاسة ؟ وأين ذلك من حال النّبوّة والخلافة ، ومن عزّهما وساطع نورهما . وأين تقع لذّة درك الحواسّ الذي هو ملاقاة المطعم والمشرب ، وملاقاة الصوت المطرب واللّون المونق ، والملمسة الليّنة - من السرور بنفاذ الأمر والنّهي ، وبجواز التوقيع ، وبما يوجب الخاتم من الطاعة ويلزم من الحجّة ؟ ! . ولو استوت الأمور بطل التمييز ، وإذا لم تكن كلفة لم تكن مثوبة ، ولو كان ذلك لبطلت ثمرة التوكّل على اللّه تعالى ، واليقين بأنّه الوزر والحافظ ، والكالئ والدافع ، وأنّ الذي يحاسبك أجود الأجودين ، وأرحم الراحمين ، وأنه الذي يقبل اليسير ويهب الكثير ، ولا يهلك عليه إلّا هالك . ولو كان الأمر على ما يشتهيه الغرير والجاهل بعواقب الأمور ، لبطل النّظر وما يشحذ عليه « 1 » ، وما يدعو إليه ، ولتعطّلت الأرواح من معانيها ، والعقول من ثمارها ، ولعدمت الأشياء حظوظها وحقوقها . فسبحان من جعل منافعها نعمة ، ومضارّها ترجع إلى أعظم المنافع ، وقسّمها بين ملذّ ومؤلم ، وبين مؤنس وموحش ، وبين صغير حقير وجليل كبير ، وبين عدوّ يرصدك وبين عقيل يحرسك ، وبين مسالم يمنعك ، وبين معين يعضدك ، وجعل في الجميع تمام المصلحة ، وباجتماعها تتمّ النعمة ، وفي بطلان واحد منها بطلان الجميع ، قياسا قائما وبرهانا واضحا . فإنّ الجميع إنّما هو واحد ضمّ إلى واحد وواحد ضمّ إليهما ، ولأن الكلّ أبعاض ، ولأنّ كلّ جثّة فمن أجزاء ، فإذا جوّزت رفع واحد والآخر مثله في الوزن وله مثل علّته وحظّه ونصيبه ، فقد جوّزت رفع الجميع ؛ لأنّه ليس الأول بأحقّ من الثاني في الوقت الذي رجوت فيه إبطال الأوّل ، والثاني كذلك والثالث والرابع ، حتّى تأتي على الكلّ وتستفرغ الجميع . كذلك الأمور المضمّنة والأسباب المقيّدة ؛ ألا ترى أنّ الجبل ليس بأدلّ على اللّه تعالى من الحصاة ، وليس الطاوس المستحسن بأدلّ على اللّه تعالى من الخنزير المستقبح . والنار والثلج وإن اختلفا في جهة البرودة والسّخونة ، فإنّهما لم يختلفا في جهة البرهان والدّلالة . وأظنّك ممّن يرى أنّ الطاوس أكرم على اللّه تعالى من الغراب ، وأن التّدرج « 2 »
هامش
( 1 ) شحذته : سقته سوقا شديدا . اللسان : شحذ . ( 2 ) التدرج : طائر كالدراج يغرد في البساتين بأصوات طيبة ، يكون بأرض خراسان ، حياة الحيوان 1 / 230 .