تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
ولقد سأل زياد ليلة من الليالي : من على شرطتكم ؟ قالوا : بلج بن نشبة الجشميّ . فقال : [ من الطويل ]
وساع مع السلطان يسعى عليهم * ومحترس من مثله وهو حارس
ويقال : إن الشاعر قال هذا الشعر في الفلافس النّهشليّ ، حين ولي شرطة الحارث بن عبد اللّه فقال : [ من الطويل ]
أقلّي عليّ اللوم يا ابنة مالك * وذمّي زمانا ساد فيه الفلافس « 1 » وساع مع السلطان يسعى عليهم * ومحترس من مثله وهو حارس
وليس يحكم لصغار المضارّ على كبارها بل الحكم للغامر على المغمور والقاهر على المقهور . ولو قد حكينا ما ذكر هذا الشّيخ من خصال الكلب وذكر صاحبه من خصال الديك ، أيقنت أنّ العجلة من عمل الشيطان ، وأنّ العجب بئس الصاحب . وقلت : وما يبلغ من قدر الكلب ومن مقدار الديك ، أن يتفرّغ لهما شيخان من جلّة المعتزلة ، وهم أشراف أهل الحكمة ؛ فأيّ شيء بلغ ، غفر اللّه تعالى لك ، من قدر جزء لا يتجزّأ من رمل عالج ، والجزء الأقلّ من أوّل قطع الذّرّة للمكان السحيق ، والصحيفة التي لا عمق لها ، ولأيّ شيء يعنون بذلك ، وما يبلغ من ثمنه وقدر حجمه ، حتّى يتفرّغ للجدال فيه الشّيوخ الجلّة ، والكهول العلية ، وحتّى يختاروا النّظر فيه على التسبيح والتهليل ، وقراءة القرآن وطول الانتصاب في الصلاة ؛ وحتّى يزعم أهله أنّه فوق الحجّ والجهاد ، وفوق كل برّ واجتهاد . فإن زعمت أنّ ذلك كلّه سواء ، طالت الخصومة معك ، وشغلتنا بهما عمّا هو أولى بنا فيك . على أنّك إذا عممت ذلك كلّه بالذمّ ، وجلّلته بالعيب ، صارت المصيبة فيك أجلّ ، والعزاء عنها أعسر . وإن زعمت أنّ ذلك إنّما جاز لأنّهم لم يذهبوا إلى أثمان الأعيان في الأسواق ، وإلى عظم الحجم ، وإلى ما يروق العين ويلائم النفس ، وأنّهم إنّما ذهبوا إلى عاقبة الأمر فيه ، وإلى نتيجته ، وما يتولّد عنه من علم النّهايات ، ومن باب الكلّ والبعض ، وكان ويكون ، ومن باب ما يحيط به العلم أو ما يفضل عنه ، ومن فرق ما بين مذاهب الدّهريّة ومذاهب الموحّدين . فإن كان هذا العذر مقبولا ، وهذا الحكم صحيحا ، فكذلك نقول في الكلب ، لأنّ الكلب ليس له خطر ثمين ولا قدر في الصدر جليل ؛ لأنّه إن
هامش
( 1 ) البيتان في عيون الأخبار 1 / 57 ، والشعر والشعراء 412 . وانظر مجمع الأمثال 2 / 321 ، والمستقصى 2 / 342 ، وفصل المقال 94 .