تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
التأدّم بهما والوقود بشجرهما ، وما أشبه ذلك من أمرهما - فقد أسأت ظنّا بالقرآن ، وجهلت فضل التأويل . وليس لهذا المقدار عظّمهما اللّه عزّ وجلّ ، وأقسم بهما ونوّه بذكرهما .

166 - [ التأمل في جناح البعوضة ]

ولو وقفت على جناح بعوضة وقوف معتبر ، وتأمّلته تأمّل متفكّر بعد أن تكون ثاقب النّظر سليم الآلة ، غوّاصا على المعاني ، لا يعتريك من الخواطر إلّا على حسب صحّة عقلك ، ولا من الشواغل إلّا ما زاد في نشاطك ، لملأت ممّا توجدك العبرة من غرائب الطوامير الطّوال ، والجلود الواسعة الكبار ، ولرأيت أنّ له من كثرة التصرّف في الأعاجيب ، ومن تقلّبه في طبقات الحكمة ، ولرأيت له من الغزر والرّيع ، ومن الحلب والدّرّ ولتبجّس عليك من كوامن المعاني ودفائنها ، ومن خفيّات الحكم وينابيع العلم ، ما لا يشتدّ معه تعجّبك ممّن وقف على ما في الدّيك من الخصال العجيبة ، وفي الكلب من الأمور الغريبة ، ومن أصناف المنافع ، وفنون المرافق ؛ وما فيهما من المحن الشّداد ، ومع ما أودعا من المعرفة ، التي متى تجلّت لك تصاغر عندك كبير ما تستعظم ، وقلّ في عينك كثير ما تستكثر . كأنّك تظنّ أنّ شيئا وإن حسن عندك في ثمنه ومنظره ، أنّ الحكمة التي هي في خلقه إنّما هي على مقدار ثمنه ومنظره .

167 - [ كلمات اللّه ]

وقد قال اللّه تعالى :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
« 1 » والكلمات في هذا الموضع ، ليس يريد بها القول والكلام المؤلّف من الحروف ، وإنّما يريد النّعم والأعاجيب ، والصفات وما أشبه ذلك ، فإنّ كلّا من هذه الفنون لو وقف عليه رجل رقيق اللسان صافي الذهن ، صحيح الفكر تامّ الأداة ، لما برح أن تحسره المعاني وتغمره الحكم .

168 - [ الموازنة والمقابلة بين نوعين ]

وقد قال المتكلمون والرؤساء والجلّة العظماء في التمثيل بين الملائكة والمؤمنين ، وفي فرق ما بين الجنّ والإنس . وطباع الجنّ أبعد من طباع الإنس ، ومن طباع الديك ، ومن طباع الكلب . وإنّما ذهبوا إلى الطاعة والمعصية . ويخيّل إليّ أنك لو كنت سمعتهما يمثّلان ما بين التّدرج والطاوس ، لما اشتدّ تعجّبك . ونحن نرى أنّ
هامش
( 1 ) . 27 : لقمان / 31 .