160 - [ حوار في الكلب والديك ]
فإن قلت : وأيّ شيء بلغ من قدر الكلب وفضيلة الديك ، حتّى يتفرّغ لذكر محاسنهما ومساويهما ، والموازنة بينهما والتنوية بذكرهما ، شيخان من علية المتكلّمين ، ومن الجلة المتقدّمين . وعلى أنّهما متى أبرما هذا الحكم وأفصحا بهذه القضيّة ، صار بهذا التدبير بهما حظّ وحكمة وفضيلة وديانة ، وقلدهما كلّ من هو دونهما ، وسيعود ذلك عذرا لهما إذا رأيتهما يوازيان بين الذّبّان وبنات وردان ، وبين الخنافس والجعلان ، وبين جميع أجناس الهمج وأصناف الحشرات ، والخشاش ، حتّى البعوض والفراش والديدان والقردان « 1 » فإن جاز هذا في الرأي وتمّ عليه العمل ، صار هذا الضّرب من النظر عوضا من النّظر في التوحيد ، وصار هذا الشكل من التمييز خلفا من التعديل والتجوير ، وسقط القول في الوعد والوعيد ، ونسي القياس والحكم في الاسم ، وبطل الردّ على أهل الملل ، والموازنة بين جميع النّحل ، والنظر في مراشد الناس ومصالحهم ، وفي منافعهم ومرافقهم ؛ لأنّ قلوبهم لا تتّسع للجميع ، وألسنتهم لا تنطلق بالكلّ . وإنّما الرأي أن تبدأ من الفتق بالأعظم ، والأخوف فالأخوف .
وقلت : وهذا باب من أبواب الفراغ وشكل من أشكال التطرّف وطريق من طرق المزاح ، وسبيل من سبل المضاحك . ورجال الجدّ غير رجال الهزل ، وقد يحسن بالشّباب ويقبح مثله من الشيوخ ، ولولا التحصيل والموازنة ، والإبقاء على الأدب ، والدّيانة بشدّة المحاسبة ، لما قالوا : لكلّ مقام مقال « 2 » ، ولكلّ زمان رجال « 3 » ، ولكلّ ساقطة لاقطة « 4 » ، ولكلّ طعام أكلة « 5 » .
161 - [ تنوع الملكات وقوتها وضرورة ظهورها ]
قد زعم أناس أنّ كلّ إنسان فيه آلة لمرفق من المرافق ، وأداة لمنفعة من المنافع ، ولا بدّ لتلك الطبيعة من حركة وإن أبطأت ، ولا بدّ لذلك الكامن من ظهور ، فإن أمكنه ذلك بعثه ، وإلّا سرى إليه كما يسري السمّ في البدن ، ونمى كما ينمي العرق ، كما أنّ البزور البرّيّة ، والحبّة الوحشيّة الكامنة في أرحام الأرضين ، لا بدّ لها من حركة
هامش
( 1 ) القردان : جمع قراد ، وهو دويبة تنتشر في أعطان الإبل . اللسان : قرد .
( 2 ) مجمع الأمثال 2 / 198 ، والمستقصى 2 / 293 ، والفاخر 314 .
( 3 ) في مجمع الأمثال 2 / 202 « لكل دهر رجال » .
( 4 ) مجمع الأمثال 2 / 193 ، وفصل المقال 23 ، والمستقصى 2 / 292 ، والفاخر 109 .
( 5 ) لم أجده في كتب الأمثال ، بل وجدت : « لكل غد طعام » في مجمع الأمثال 2 / 202 .