تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
السبب في نزول الآية ذلك ، وإنّما السبب أنّ الشياطين في ذلك الزمن السحيق كانوا يسترقون السمع من السماء ، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفّقونها ، ويلقونها إلى كهنة اليهود وأحبارهم . وقد دوّنها هؤلاء في كتب يقرءونها ، ويعلّمونها الناس ، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السّلام حتى قالوا : هذا علم سليمان وما تمّ لسليمان ملكه إلّا بهذا العلم ، وبه يسخّر الإنس ، والجن ، والريح التي تجري بأمره . وهذا من افتراءات اليهود على الأنبياء ، فأكذبهم اللّه بقوله :
وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ
« 1 » . ثم عطف عليه :
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ . . .
فالمراد بما أنزل هو « علم السحر » الذي نزلا ليعلّماه الناس ، حتى يحذروا منه ، فالسبب في نزولهما هو تعليم الناس أبوابا من السحر ، حتى يعلم الناس الفرق بين السحر والنبوة ، وأن سليمان لم يكن ساحرا ، وإنما كان نبيّا مرسلا من ربّه . وقد احتاط الملكان غاية الاحتياط ، فما كان يعلّمان أحدا شيئا من السحر حتى يحذّراه ، ويقولا له :
إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ
أي بلاء واختبار ، فلا تكفر بتعلّمه والعمل به . وأما من تعلّمه للحذر منه ، وليعلم الفرق بينه وبين النبوّة والمعجزة ؛ فهذا لا شيء فيه ، بل هو أمر مطلوب ، مرغوب فيه ، إذا دعت الضرورة إليه . ولكن الناس ما كانوا يأخذون بالنصيحة ، بل كانوا يفرّقون به بين المرء وزوجته ، وذلك بإذن اللّه ومشيئته . وقد دلت الآية على أن تعلّم السحر لتحذير الناس من الوقوع فيه والعمل به مباح ، ولا إثم فيه ، وأيضا تعلّمه لإزالة الاشتباه بينه وبين المعجزة والنبوة مباح ، ولا إثم فيه . وإنّما الحرام والإثم في تعلّمه أو تعليمه للعمل به ، فهو مثل ما قيل :
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه * ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه
هامش
( 1 ) لأن تعلم السحر للعمل به كفر .