تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
الساحق من التابعين . بعد أن كان المأثور عن ابن عباس منقولا عن طريق متخرّجي مدرسته التابعين أيضا . إنّ ذلك إن دلّ فإنما يدلّ على مبلغ الاهتمام بتفاسيرهم ، والإجلال بمقامهم الرفيع . وليس إلّا لأنّهم أقرب عهدا بنزول الوحي ، وأطول باعا في الإحاطة بأسباب النزول ، وأسهل تناولا لفهم معاني القرآن الكريم . فإن كان القرآن قد نزل بلغة العرب وعلى أساليب كلامهم ، فإنّ الأوائل أصفى ذهنا وأقرب تناوشا لتصاريف اللغة ومجاري ألفاظها وتعابيرها . إنّهم أعرف بمواضع اللغة في عهد خلوصها ، وأطول يدا في البلوغ إلى مجانيها من ثمرات وأعواد . كما أنّهم أمسّ جانبا بأحاديث الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، والعلماء من صحابته الأخيار . فهم أقرب فهما لأبعاد الشريعة في أصولها والفروع ، والإحاطة بجوانب الكتاب والسنّة والسيرة الكريمة . فكان الاهتمام بشأنهم ، والرجوع إلى آرائهم ونظراتهم ، ومعرفة أقوالهم في التفسير ، إنما هو لمكان تقدمهم وسبقهم في الحيازة على قصب السبق في هذا المضمار ، شأن كل متأخّر في التفسير يرجع إلى آراء سلفه . لا ليتقلدها أو يتعبّد بها ، بل ليستعين بها ويستفيد في سبيل الوصول إلى أقصاها ، والصعود على أعلاها . فكان تمحيصا وتحقيقا في الاختيار ، لا تقليدا ، أو تعبّدا برأي . ولا شكّ أنّ الإحاطة بآراء العلماء سلفا وخلفا ، لهي من أكبر وسائل التوسعة في الفكر والإجالة في النظر ، وبالتالي أكثر توسعا في العلوم والمعارف والصعود على مدارج الفضيلة والكمال . هكذا تقدّم العلم وازدهرت معارف الإنسان . فلآراء السلف قيمتها ووزنها في سبيل الرقي على مدارج الكمال . ولولاه لتوقّف العلم على نقطته الأولى ، ولم يخط خطواته تلك الواسعة ، في مسيرته هذه الحثيثة ، نحو التكامل والازدهار .