تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
وما ذاك ؟ قال : تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان ، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه ، ودفعت الغنم إلى صاحبها ، فذلك قوله :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
وكذا روى العوفي عن ابن عباس . وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد : حدثني خليفة عن ابن عباس قال : قضى داود بالغنم لصحاب الحرث فخرج الرعاة معهم الكلاب ، فقال لهم سليمان : كيف قضى بينكم ؟ فأخبروه ، فقال : لو وليت أمركم لقضيت بغير هذا ، فأخبر بذلك داود ، فدعاه فقال : كيف تقضي بينهم ؟ قال : أدفع الغنم إلى صاحب الحرث ، فيكون له أولادها وألبانها وسلاؤها « 1 » ومنافعها ، ويبذر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم ، فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه ، أخذه أصحاب الحرث وردوا الغنم إلى أصحابها . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا خديج عن أبي إسحاق عن مرة عن مسروق قال : الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم ، إنما كان كرما نفشت فيه الغنم فلم تدع فيه ورقة ولا عنقودا من عنب إلا أكلته ، فأتوا داود فأعطاهم رقابها ، فقال سليمان : لا بل تؤخذ الغنم فيعطاها أهل الكرم فيكون لهم لبنها ونفعها ويعطى أهل الغنم الكرم فيعمروه ويصلحوه حتى يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه الغنم ، ثم يعطى أهل الغنم غنمهم ، وأهل الكرم كرمهم ، وهكذا قال شريح ومرة ومجاهد وقتادة وابن زيد وغير واحد . وقال ابن جرير « 2 » : حدثنا ابن أبي زياد ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا إسماعيل عن عامر قال : جاء رجلان إلى شريح فقال أحدهما : إن شياه هذا قطعت غزلا لي ، فقال شريح : نهارا أم ليلا ؟ فإن كان نهارا فقد برئ صاحب الشياه ، وإن كان ليلا فقد ضمن ، ثم قرأ
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ
الآية ، وهذا الذي قاله شريح شبيه بما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث الليث بن سعد عن الزهري ، عن حرام بن محيصة ، أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدت فيه ، فقضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أهل الحوائط حفظها بالنهار ، وما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها « 3 » ، وقد علل هذا الحديث وقد بسطنا الكلام عليه في كتاب الأحكام ، وباللّه التوفيق . وقوله :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد عن حميد أن إياس بن معاوية لما استقضى أتاه الحسن فبكى ، فقال : ما يبكيك ؟ قال : يا أبا سعيد بلغني أن القضاة رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار ،
هامش
( 1 ) سلاؤها : أي سمنها . ( 2 ) تفسير الطبري 9 / 51 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في البيوع باب 90 ، وابن ماجة في الأحكام باب 13 ، ومالك في الأقضية حديث 36 ، 37 ، وأحمد في المسند 4 / 295 ، 5 / 435 .