تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
ورجل مال به الهوى فهو في النار ، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة . فقال الحسن البصري : إن فيما قص اللّه من نبأ داود وسليمان عليهما السلام والأنبياء حكما يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم ، قال اللّه تعالى :
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ
فأثنى اللّه على سليمان ولم يذم داود ، ثم قال : - يعني الحسن - : إن اللّه اتخذ على الحكام ثلاثا : لا يشتروا به ثمنا قليلا ، ولا يتبعوا فيه الهوى ، ولا يخشوا فيه أحدا ، ثم تلا
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[ ص : 26 ] وقال :
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ
[ المائدة : 44 ] وقال
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا *
[ المائدة : 44 ] . قلت : أما الأنبياء عليهم السلام ، فكلهم معصومون مؤيدون من اللّه عز وجل ، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء المحققين من السلف والخلف ، وأما من سواهم فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا اجتهد الحاكم فأصاب ، فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ ، فله أجرا » « 1 » فهذا الحديث يرد نصا ما توهمه إياس من أن القاضي إذا اجتهد فأخطأ فهو في النار ، واللّه أعلم . وفي السنن : « القضاة ثلاثة : قاض في الجنة ، وقاضيان في النار ، رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ، ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار ، ورجل علم الحق وقضى خلافه فهو في النار » « 2 » ، وقريب من هذه القصة المذكورة في القرآن ما رواه الإمام أحمد « 3 » في مسنده حيث قال : حدثنا علي بن حفص ، أخبرنا ورقاء عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « بينما امرأتان معهما ابنان لهما ، إذ جاء الذئب فأخذ أحد الابنين فتحاكمتا إلى داود ، فقضى به الكبرى ، فخرجتا فدعاهما سليمان فقال : هاتوا السكين أشقه بينكما : فقالت الصغرى : يرحمك اللّه هو ابنها لا تشقه ، فقضى به للصغرى » « 4 » وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما ، وبوب عليه النسائي في كتاب القضاء : [ باب الحاكم يوهم خلاف الحكم ليستعلم الحق ] . وهكذا القصة التي أوردها الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة سليمان عليه السّلام من تاريخه من طريق الحسن بن سفيان عن صفوان بن صالح ، عن الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن مجاهد ، عن ابن عباس ، فذكر قصة مطولة ، ملخصها : أن امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل ، راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم ، فامتنعت على كل منهم ، فاتفقوا فيما
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الاعتصام باب 21 ، 22 ، ومسلم في الأقضية حديث 15 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الأقضية باب 2 ، وابن ماجة في الأحكام باب 3 . ( 3 ) المسند 2 / 322 ، 340 . ( 4 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 40 ، ومسلم في الأقضية حديث 20 ، والنسائي في القضاة باب 14 .