تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 74 إلى 73 ]

يقول تعالى إخبارا عن المشركين الذين عبدوا معه غيره مع أنه هو المنعم المتفضل الخالق الرازق ، وحده لا شريك ومع هذا يعبدون من دونه من الأصنام والأنداد والأوثان ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ، أي لا يقدر على إنزال مطر ولا إنبات زرع ولا شجر ، ولا يملكون ذلك لأنفسهم ، أي ليس لهم ذلك ، ولا يقدرون عليه لو أرادوه ، ولهذا قال تعالى :
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ
أي لا تجعلوا له أندادا وأشباها وأمثالا
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
أي أنه يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو ، وأنتم بجهلكم تشركون به غيره .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 75 ]

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 75 ) قال العوفي عن ابن عباس : هذا مثل ضربه اللّه للكافر والمؤمن ، وكذا قال قتادة ، واختاره ابن جرير ، فالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء مثل الكافر والمرزوق الرزق الحسن ، فهو ينفق منه سرا وجهرا هو المؤمن ، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : هو مثل مضروب للوثن وللحق تعالى ، فهل يستوي هذا وهذا ؟ ولما كان الفرق بينهما ظاهرا واضحا بينا لا يجهله إلا كل غبي قال اللّه تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
.

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 76 ]

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 76 ) قال مجاهد : وهذا أيضا المراد به الوثن والحق تعالى يعني أن الوثن أبكم لا يتكلم ولا ينطق بخير ولا بشيء ولا يقدر على شيء بالكلية ، فلا مقال ولا فعال ، وهو مع هذا كل أي عيال وكلفة على مولاه
أَيْنَما يُوَجِّهْهُ
أي يبعثه
لا يَأْتِ بِخَيْرٍ
ولا ينجح مسعاه
هَلْ يَسْتَوِي
من هذه صفاته
وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
أي بالقسط ، فمقاله حق وفعاله مستقيمة
وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
وقيل : الأبكم مولى لعثمان ، وبهذا قال السدي وقتادة وعطاء الخراساني ، واختار هذا القول ابن جرير . وقال العوفي عن ابن عباس : هو مثل للكافر والمؤمن أيضا كما تقدم ، وقال ابن جرير « 1 » : حدثنا الحسن بن الصباح البزار ، حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني ، حدثنا حماد حدثنا عبد اللّه بن عثمان بن خيثم عن إبراهيم عن عكرمة ، عن يعلى بن أمية عن ابن عباس في قوله :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
قال : نزلت في رجل من قريش وعبده ، يعني قوله
عَبْداً مَمْلُوكاً
الآية ، وفي قوله :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ
- إلى قوله -
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 7 / 624 .