تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
مستعينا باللّه في ذلك كله ، ولهذا جاء في بعض رواية الحديث في غير الصحيح بعد قوله ورجله التي يمشي بها « فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشي » ولهذا قال تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
كقوله تعالى في الآية الأخرى :
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
[ الملك : 23 - 24 ] . ثم نبه تعالى عباده إلى النظر إلى الطير المسخر بين السماء والأرض ، كيف جعله يطير بجناحين بين السماء والأرض في جو السماء ، ما يمسكه هناك إلا اللّه بقدرته تعالى التي جعل فيها قوى تفعل ذلك ، وسخر الهواء يحملها ويسير الطير كذلك ، كما قال تعالى في سورة الملك :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ
[ الملك : 19 ] وقال هاهنا :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
.

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 80 إلى 83 ]

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ ( 80 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ( 81 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 82 ) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ( 83 ) يذكر تبارك وتعالى تمام نعمه على عبيده بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم ، يأوون إليها ، ويستترون بها ، وينتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع ، وجعل لهم أيضا
مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً
أي من الأدم ، يستخفون حملها في أسفارهم ليضربوها لهم في إقامتهم في السفر والحضر ، ولهذا قال :
تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها
أي الغنم ،
وَأَوْبارِها
أي الإبل ،
وَأَشْعارِها
أي المعز ، والضمير عائد على الأنعام
أَثاثاً
أي تتخذون منه أثاثا وهو المال ، وقيل : المتاع ، وقيل : الثياب ، والصحيح أعم من هذا كله فإنه يتخذ من الأثاث البسط والثياب وغير ذلك ، ويتخذ مالا وتجارة ، وقال ابن عباس : الأثاث المتاع ، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطية العوفي وعطاء الخراساني والضحاك وقتادة . وقوله :
إِلى حِينٍ
أي إلى أجل مسمى ووقت معلوم . وقوله :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا
قال قتادة : يعني الشجر
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً
أي حصونا ومعاقل ، كما
جَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
وهي الثياب من القطن والكتان والصوف
وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ
كالدروع من الحديد المصفح والزرد وغير ذلك ،
كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
أي هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم وما تحتاجون إليه ليكون عونا لكم على طاعته وعبادته
لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ
هكذا فسره