تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
كذا رواه ابن ماجة ، وقوله : لا لبس فيهم أي لا خلط . وقوله : يمنعون الجار أن يقردا ، أي يضطهد ويظلم ، وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
أي إن في إلهام اللّه لهذه الدواب الضعيفة الخلقة إلى السلوك في هذه المهامة والاجتناء من سائر الثمار ، ثم جمعها للشمع والعسل وهو من أطيب الأشياء ،
لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
في عظمة خالقها ومقدرها ومسخرها وميسرها ، فيستدلون بذلك على أنه الفاعل القادر الحكيم العليم الكريم الرحيم .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 70 ]

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 70 ) يخبر تعالى عن تصرفه في عباده ، وأنه هو الذي أنشأهم من العدم ثم بعد ذلك يتوفاهم ، ومنهم من يتركه حتى يدركه الهرم وهو الضعف في الخلقة ، كما قال اللّه تعالى :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً
[ الروم : 54 ] الآية ، وقد روي عن علي رضي اللّه عنه : أرذل العمر خمس وسبعون سنة ، وفي هذا السن يحصل له ضعف القوى والخرف ، وسوء الحفظ وقلة العلم ، ولهذا قال :
لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً
، أي بعد ما كان عالما أصبح لا يدري شيئا من الفند والخرف . ولهذا روى البخاري عند تفسير هذه الآية : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا هارون بن موسى أبو عبد اللّه الأعور عن شعيب عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يدعو « أعوذ بك من البخل والكسل والهرم ، وأرذل العمر وعذاب القبر ، وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات » « 1 » وقال زهير بن أبي سلمة في معلقته المشهورة : [ الطويل ]
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين عاما لا أبا لك يسأم « 2 » رأيت المنايا خبط عشواء من تصب * تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 71 ]

وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 71 )
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 16 ، باب 1 ، ومسلم في الذكر حديث 52 . ( 2 ) البيتان في ديوان زهير بن أبي سلمى ص 29 ، والبيت الأول في كتاب العين 5 / 372 ، وأساس البلاغة ( كلف ) ، وتاج العروس ( حمل ) ، والبيت الثاني في لسان العرب ( خبط ) ، ( عشا ) ، وتهذيب اللغة 3 / 54 ، 7 / 251 ، وجمهرة اللغة ص 872 ، وتاج العروس ( خبط ) ، ومقاييس اللغة 4 / 323 ، وكتاب العين 2 / 188 ، وأساس البلاغة ( عشو ) ، وبلا نسبة في المخصص 7 / 123 .