تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
يبين تعالى للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه للّه من الشركاء ، وهم يعترفون أنها عبيد له كما كانوا يقولون في تلبيتهم في حجهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ، فقال تعالى منكرا عليهم : أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم ، فكيف يرضى هو تعالى بمساواة عبيد له في الإلهية والتعظيم ، كما قال في الآية الأخرى :
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ
[ الروم : 28 ] الآية ، قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية : يقول لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم ، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني ، فذلك قوله :
أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
وقال في الرواية الأخرى عنه : فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم . وقال مجاهد في هذه الآية : هذا مثل الآلهة الباطلة ، وقال قتادة : هذا مثل ضربه اللّه ، فهل منكم من أحد يشاركه مملوكه في زوجته وفي فراشه ، فتعدلون باللّه خلقه وعباده ؟ فإن لم ترض لنفسك هذا ، فاللّه أحق أن ينزه منك . وقوله :
أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
أي أنهم جعلوا للّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، فجحدوا نعمته ، وأشركوا معه غيره . وعن الحسن البصري قال : كتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه هذه الرسالة إلى أبي موسى الأشعري : واقنع برزقك من الدنيا ، فإن الرحمن فضل بعض عباده على بعض في الرزق بلاء يبتلي به كلا ، فيبتلي من بسط له كيف شكره للّه وأداؤه الحق الذي افترض عليه فيما رزقه وخوله ، رواه ابن أبي حاتم .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 72 ]

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ( 72 ) يذكر تعالى نعمه على عبيده بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجا من جنسهم وشكلهم ، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة ، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورا وإناثا ، وجعل الإناث أزواجا للذكور ، ثم ذكر تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والحفدة وهم أولاد البنين ، قاله ابن عباس وعكرمة والحسن والضحاك وابن زيد ، قال شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : بنين وحفدة ، وهم الولد وولد الولد « 1 » . وقال سنيد : حدثنا حجاج عن أبي بكر عن عكرمة عن ابن عباس قال : بنوك حيث يحفدونك ويرفدونك ويعينونك ويخدمونك ، قال جميل : [ الكامل ]
حفد الولائد حولهن وأسلمت * بأكفّهنّ أزمة الإجمال « 2 »
هامش
( 1 ) انظر تفسير الطبري 7 / 619 . ( 2 ) البيت للفرزدق في زيادات الطبعة الأولى من جمهرة اللغة ص 504 ، الهامش ، وليس في ديوانه ، ولجميل بثينة في ملحق ديوانه ص 246 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( حفد ) ، وجمهرة اللغة ص 504 ، وكتاب العين 3 / 185 ، ونسبة الطبري في تفسيره 7 / 619 لحميد ، والبيت ليس في ديوانه حميد بن ثور .