تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم » « 1 » . فهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم ، ولكن لا ينافي وصف غيرها من السبع الطوال بذلك ، لما فيها من هذه الصفة كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضا ، كما قال تعالى :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ
[ الزمر : 23 ] فهو مثاني من وجه ومتشابه من وجه ، وهو القرآن العظيم أيضا ، كما أنه عليه الصلاة والسلام لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى ، فأشار إلى مسجده ، والآية نزلت في مسجد قباء ، فلا تنافي ، فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة ، واللّه أعلم . وقوله :
لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ
أي استغن بما آتاك اللّه من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية ، ومن هاهنا ذهب ابن عيينة إلى تفسير الحديث الصحيح « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » « 2 » إلى أنه يستغني به عما عداه ، وهو تفسير صحيح ولكن ليس هو المقصود من الحديث كما تقدم في أول التفسير . وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن وكيع بن الجراح ، حدثنا موسى بن عبيدة عن يزيد بن عبد اللّه بن قسيط ، عن أبي رافع صاحب النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ضاف النبي صلى اللّه عليه وسلم ضيف ولم يكن عند النبي صلى اللّه عليه وسلم شيء يصلحه ، فأرسل إلى رجل من اليهود « يقول لك محمد رسول اللّه : أسلفني دقيقا إلى هلال رجب » قال : لا ، إلا برهن فأتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم فأخبرته ، فقال : « أما واللّه إني لأمين من في السماء وأمين من في الأرض ، ولئن أسلفني أو باعني لأؤدين إليه » فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية
لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا
إلى آخر الآية ، كأنه يعزيه عن الدنيا ، قال العوفي عن ابن عباس
لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ
قال : نهى الرجل أن يتمنى ما لصاحبه . وقال مجاهد
إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ
هم الأغنياء .

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 89 إلى 93 ]

وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ( 89 ) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ( 90 ) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( 91 ) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) يأمر تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يقول للناس :
إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ
البين النذارة ، نذير للناس من عذاب أليم أن يحل بهم على تكذيبه كما حل بمن تقدمهم من الأمم المكذبة لرسلها ، وما أنزل اللّه عليهم من العذاب والانتقام . وقوله :
الْمُقْتَسِمِينَ
أي المتحالفين ، أي تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ، كقوله تعالى إخبارا عن قوم صالح إنهم
قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ
[ النمل : 49 ] الآية ، أي نقتلهم ليلا ، قال مجاهد : تقاسموا وتحالفوا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 15 ، باب 3 ، وأبو داود في الوتر باب 15 . ( 2 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 44 ، وأبو داود في الوتر باب 20 ، والدارمي في الصلاة باب 171 ، وفضائل القرآن باب 34 ، وأحمد في المسند 1 / 172 ، 175 ، 179 .